قال النَّضرُ بن شُمَيل:"أقام الخليلُ في خصٍّ بالبصرة، لا يقدر على فلسين، وتَلامِذتُه يَكْسبون بعِلمه الأموالَ"، وهذه حالُه في العلم أيضًا، فلولا الخليلُ لَم يكن سيبويه، فلمَّا كان الخليلُ وكان سيبويه، وأخَذ عِلمَه عنه وحَشَا به كتابه الجليل، طار اسمُ سيبويه في كلِّ مكان، وملأَ الدُّنيا، وانزَوى ذِكْرُ الخليل إلاَّ قليلًا، وأُهْمِلت كتبُه، وضاعَ أكثرُها، وقد كان الخليلُ من نَوابِغ الرجال وأفذاذ العرب، شَهِدَ له مُعاصروه بأنَّه كان آيةً في الذَّكاء، وكانوا يقولون:"لَم يكن في العرب بعدَ الصحابة أذكى منه".
اجتمع الخليلُ وعبدالله بن المقفَّع ليلةً يتحدَّثان إلى الغداة، فلمَّا تفرَّقا قِيل للخليل: كيف رأيتَ ابن المقفَّع؟ فقال: رجلًا عِلمُه أكثرُ مِن عَقله، وقيل لابنِ المقفَّع: كيف رأيتَ الخليل؟ قال:"رأيتُ رجلًا عقله أكثر من عِلمه".
هذا مَع ما شَهِدَ به له الأوائلُ مِن سَعة العلم، والتبحُّر فيه، وليس أدلَّ على نُبوغ الخليل وعبقريَّته وتفرُّده من استِخراجه العَرُوض، وحَصْرِه في خمسة دوائر (1) ، استخرجَ منها الخمسةَ عشر بحرًا المعروفة، وكان الخليلُ قد تعلَّم الإيقاع والنَّغم، فمِنهما أحدَثَ عِلمَ العروض بما أُوتِي من صَفاء النَّفْس، وسُرعة الخاطر، ودِقَّة الفهم، وقوَّة الضبط، ولَم يستَطِع أحدٌ إلى يومِ الناس هذا أنْ يَزِيد على ما أتى به الخليلُ بَحرًا واحدًا، إلاَّ الأخفش؛ فإنَّه اهتدى إلى بحرٍ واحد هو الذي يُسمُّونه الخبب.
ولولا ما ضاعَ مِن كتب الخليل، لعرَفْنا كيف نردُّ كتابَ سيبويه إلى الأصل الذي أخَذ عنه من الخليل، ونحن لا نشكُّ في أنَّ أوَّل كتاب وخيره وصَل إلينا من كتب المتقدِّمين في النَّحو هو"كتاب سيبويه"؛ إذْ هو الكتاب الذي وُضِعَ على قواعِدَ معقودةٍ للكتاب كلِّه، وأرجَحُ الرَّأي عندنا أنَّ الذي عقَد النَّحو هذا العقدَ الذي نراه في"الكتاب"ليس هو سيبويه، بل هو الخليلُ بن أحمد الذي عقَد علمَ العروض هذا العَقْد الذي لَم يُنقَض، وقد رأى الخليلُ في سيبويه رجلًا مُحكَم العقل، فاستَصْفاه بعِلْمه وأدَبِه، ومنَحَه وقْتَه وراحتَه، فكان الخليلُ يقول له حين يزورُه:
(1) الدَّائرة في عِلم العَروض هي التي حصَر الخليلُ بها الشُّطور؛ لأنَّه وضَعَها على شكل الدائرة التي هي الحَلْقة، وهي خمسُ دوائر: الأولى فيها ثلاثة أبواب: الطَّويل والمديد والبسيط، والثانية فيها بابان: الوافِرُ والكامل، والثالثة فيها ثلاثة أبواب: الْهَزَج والرَّجَز والرَّمَل، والرابعة فيها ستَّة أبواب: السَّريع والمُنسَرِح، والخفيف، والمضارع، والمقتضب، والمُجتَثُّ، والدائرة الخامسة فيها المتقارِب حَسْب.