فيه أنَّ الرُّؤاسيَّ كان إمامَ أهل الكوفة في النحو، وعلى يديه نشَأ الكسائيُّ والفَرَّاء، شيخَا نُحاةِ الكوفة بعده، ولا شكَّ أيضًا في أنَّ الرؤاسي كان ضعيفًا لا خطر له في النحو، ولولا أنَّ الكسائي والفرَّاء انتسَبا إليه لَمَا عُرِف ولا أُبِهَ به، وستعلم بعدُ أنَّ الكسائي هو الذي جعل للكوفة نَحْوًا امتازت به عن أُختِها البصرة.
إمام هذه الطبقة الكسائي، وتَلاه الفرَّاء تلميذُه ورفيقه، والكسائيُّ هو أبو الحسن عليُّ بن حمزةَ بنِ عبدالله بن عثمان من أصلٍ فارسي، وكان ولاؤه في بني أسد، وتعلَّمَ الكسائيُّ النَّحوَ وقد أسَنَّ، وكان أحدَ القرَّاء الذين عُدُّوا بعدُ في القرَّاء السبعة، وأخذ الكسائيُّ النحوَ واللُّغة عن معاذٍ الهراء والرُّؤاسي، ثُم نهضَتْ هِمتُه به إلى الرحلة، فنَزَل البصرة، ولقي الخليلَ بن أحمد، وجلس في حلقته ولَزِمَه مدَّة، ثم سأل الخليلَ من أين أخذ عِلمَه، فقال له: مِن بوادي الحجاز، ونَجْد، وتهامة - وهم أهل الفصاحة والبيان - فخرَج، وأخذ من الإعراب عِلمًا كثيرًا، ثم عاد إلى البصرة ليرى الخليل والنُّحاة بها، فوجَد الخليلَ قد مات - رحمه الله - وجلس مجلسَه يونسُ بن حبيب، فجرَتْ بينهما مسائلُ أقرَّ له يونسُ فيها، وصدَّرَه في موضعه، فكان هذا ابتداءَ ذُيوع أمرِه في النَّحو، ثم رجَع إلى الكوفة، ولقي بها رُفَقاءه، فتتلمَذُوا له.
واعتنى الكسائيُّ بكتاب سيبويه، فقرَأه، وصحَّحه على أصله، واستفاد منه، وخالَف سيبويه في مسائل كانت هي السَّببَ في الخِلاف الكبير الذي وقع بين البصريِّين والكوفيين في تلك العداوة الشَّديدة التي حَمَلها الكوفيُّون للبصريِّين، ولولا رحلةُ الكسائيِّ بإرشاد الخليل بن أحمد، وكتاب سيبويه، لَبَقِي النَّحوُ في الكوفة (رؤاسيًّا) ضعيفًا، لا قِبَلَ له بالبقاء مع نحو البصرة.
ومات الكسائيُّ سنة 197 بالريِّ في عهد هارون الرَّشيد، وكان يعودُه في مرضه؛ لأنَّه كان مُؤدِّبَ ولدَيْه الأمين والمأمون.
هذا، وكنَّا نودُّ أنْ نَسْتقصي بقيَّة الطبقات من علماء الكوفة النحويِّين ثم نُتبِعُ ذلك بالكلام عن أسباب الخلاف بين المذهبين، وكيف اختلط المذهبان بعد ذلك، ومَن أوَّلُ من جَمع بين المذهبين، لكنا نعتذر عن هذا، وعن الإيجاز الذي اضْطُرِرنا إليه في الكتابة عن أهل الطبقات.
والله الموفِّق لإتمام ذلك وإخراجه على أكمل وجهٍ في كتابنا عن العربيَّة - إن شاء الله - وله الأمر من قبل ومن بعد.