الصفحة 9 من 27

محرنجمات"، وأقامَ على الصحيح البتَّة، استِيحاشًا من تكسير ذَوات الأربع لمصاقبتها ذَوات الخمسة التي لا سبيلَ إلى تكسيرِها، لا سيَّما إذا كان فيها زيادةٌ، والزيادة قد تعتدُّ في كثيرٍ من المواضع اعتِداد الأصول حتى إنها لتَلزَمُ لُزومها نحو: كوكب، وحوشب، وضَيْوَن، وهَزَنْبَران، ودَوْدَرَّى، وقرنفل، وهذا موضعٌ يحتاج إلى إصغاءٍ إليه، وإرعاءٍ عليه، والوقت - لتَلاحُمه وتقارُب أجزائه - مانعٌ منه، ويُعِينُ الله فيما يَلِيه على المعتقَد المنويِّ فيه بقُدرته."

قال شيخُنا: وسألته يومًا: كيف تجمعُ سرحانًا؟ فقال:"سراحين"، قلت فدكانًا؟ قال:"دكاكين"قلت: فقرطانًا؟ قال:"قراطين"، قلت"فعثمان"؟ قال:"عثمانون"؟ قلت: هلا قلت:"عثامين"كما قلت:"سراحين وقراطين"؟ فأباها البتَّة، وقال: إيش ذا! أرأيت إنسانًا يتكلم بما ليس من لغته، والله لا أقولها أبدًا ... استوحش من تكسير العلم إكبارًا له، لا سيَّما ومنه الألف والنون اللتان بابهما فعلان الذي لا يجوزُ فيه فعالين نحو سكران وغضبان.

قد عرَضْنا لسان هذا الإعرابي ولسان ابنِ عمِّه لنردَّك إليهما في سِياق كلامنا هذا عن اللغة والإعراب وعلم النحو؛ لئلا نقطع عليك سبيلَ الكلام حين لا بُدَّ لك من الاستمرار.

قلنا: إنَّ حركات الإعراب من اللغة بمنزلة مفرداتها؛ وذلك إنهما درَجَا معًا على الألسنة وتَوافقَا على أمرٍ من الزيادة والنُّقصان والإبقاء والحذف، وعَمِلا في الألسنة حتى مرنت واستَقامَتْ، وعملت فيهما الألسنة حتى تهذَّب منها ما جَفَا وما انتشر وما غلظ؛ لما في طبيعة الإنسانيَّة من مُداورةِ ما يجرى معها حتى يخفَّ بعد ثقلٍ، ويلين بعد صلابة، ويتشابَه بعد تنافُر، ويستقر بعد اضطراب، فلمَّا تَمَّ ذلك لم يكن هناك محيص من أنْ تقوم ألسنة القوم ولغتهم على أمرٍ جامعٍ لا يتفرَّق بها، فترتدَّ إلى الضعف والانحلال، وتباعد الأطراف والفساد واستحالة النماء؛ فكان ما نُسمِّيه نحن الآن من الإعراب والنحو والبيان بأسماءٍ اتَّخذناها أداة للتعبير عن سِرِّ مَعانيها في الكلام، قائمًا في ألسنة القوم مقامَ القانون الطبيعي الراسخ الذي لا يتحوَّل، فكان رفعُ الفاعل ونصبُ المفعول عندهم كمخرجِ الحروف عن اللسان والشَّفتين واللهاة، ولا فرق.

ولو أردت أنْ تُقرِّب هذا المعنى إلى فهمك وتُوضِّحه لنفسك، فاضرِب المثل بالحمار والفرس والبغل، فهذه الثلاثة على تقارُب شيتها وتشابُه أعضائها وتناظُر بدنها وتركيبها مميزة في بصَر الإنسان، مُفرَّق بين كلٍّ منها بخصائص لا تُخطِئها الطبيعة الإنسانيَّة من طُفولتها إلى صِباها إلى شَبابها إلى فتوَّتها إلى هرمها، حتى تصل إلى قبر الأبَد، ولا يَزال الحمار حمارًا والفرس فرسًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت