الصفحة 10 من 27

والبغل بغلًا، مهما اختلفت الألوان أو تغيَّرت البلدان، ولا تزال الخصائص المميِّزة قائمةً فيها على هذا الاختلاف والتغيُّر، فكذلك كانت حَركات الإعراب والنحو على الكلمة الواحدة على اختِلاف مَواقعها من الكلام كالشِّيَةِ لها تُميِّزها عن أختها التي هي مثلُها في حُروفها وباقي حَركاتها حتى أصبحت قائمةً في ألسنة كُلِّ قومٍ على أصول لغتهم متميِّزة بفطرة الألسنة، وأمَّا ما صار لها بالتكرار والعادة كالفطرة المرهفة الدقيقة التي لا يختلُّ تمييزها، أو لا يضعف إحساسها بالخصائص الملازمة لشيءٍ بعينِه من بين الأشياء المتشابهة.

فلا يَجُولنَّ بخاطرك أنَّ الفتحة والكسرة والضمَّة والسكون دخيلاتٌ على الحروف التي تقعُ عليها في أوَّل الكلام وأوسطه وطرفه، فجعلت بالوضع للتمييز بين أبنية الكلام أو مَعانيه التي يدورُ عليها، واعلم أنَّ هذه المعاني لا تلمُّ بقلبٍ ناطقٍ بلغةٍ ولا تتعلَّق بفهمه، أوَلا ترى إلى صاحبنا الشجري حين سأله شيخُنا وأدارَه على أنْ ينطِق"أكرَمَ أخوك أبوك"بالرفع، فأباها واستوحش وقال: لا أقولُ:"أبوك"أبدًا، فلمَّا سأله أنْ يقول: أكرمني أبوك قال:"أبوك"، وذكر العلَّة التي يعرفها والتي هي الحقيقة الأولى في اللغة قبل أنْ يُوضَع الاصطلاح النحوي المعقَّد فقال:"اختلفت جهتا الكلام"، فالحركات عند هذا الأعرابي وغيره ممَّن كان ينطق اللغة سليقةً لا اكتسابًا وتعمُّلًا، تقعُ على معاني الكلام وتصرُّفه ووُجوهه دُون كَدٍّ للذهن أو تصريفٍ للسان بعنانٍ من الفكر، فكأنَّ الكلمة الواحدة عندنا هي عنده أربع كلمات أو ثلاث وفقًا للحركات التي تكونُ عليها، ولكلِّ واحدةٍ في حالتها معنى أو معانٍ لا يتجاوَزُها استعمالُه ولا يُطِيع بغيرها في موقعها لسانُه ولا فكرُه ولا فِطرتُه، وهذا غير بدعٍ في أمر الألسنة، فأنت ترى لكلمة"العين"مثلًا عند العربيِّ المبرَّأ معانيَ متباعدة وأخرى مُتقاربة، وهو يميزُ بينها ويفصل بين وجوهها من حقيقةٍ ومجاز، ولا يكاد يخطئ وضعَها من الكلام حينَ تكونُ الضَّرورة لاستعمال هذا اللفظ.

وكذلك القول في بقيَّة أبواب النحو والصرف والاشتقاق والبيان، فهذه كلُّها كانت جاريةً في ألسنة القول مجرى قوانين الجاذبيَّة، فما تشذُّ كلمةٌ عن بابها الذي وُضِعت بعدُ فيه من علم النحو أو غيره؛ لأنَّ قانون الألفاظ الذي يضبطُ ألسنة كلِّ قومٍ على سنَّة لغتهم لا يدعُ الكلمة تخرُجُ من دائرة تأثيره أبدًا مهما كان التشابُه قريبًا بين الكلمتين اللتين يسوغُ العقل إلى مَدَى اختلاط إحداهما بالأخرى في تصريفِها أو وضْعها أو تقليبها على وُجوه الجمع والتحقير وغير ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت