فهرس الكتاب

الصفحة 456 من 825

إلى مجلة الثقافة

بقلم الأستاذ جان غولميه

تعريب كاظم الداغستاني

21 حزيران سنة 933 بيروت

غادرت الشواطئ السورية على الباخرة ليمنوس وهي باخرة يونانية صغيرة جذابة وليست بالوسخة كثيرًا. ولقد أقلعت في موعدها تمامًا وساعة المساء تدق العاشرة وكانت الأضواء تتلاعب فوق مياه المرفأ الكثيفة فتتراجع منعكسة على صفحاتها بألف شكل. واجتمع نواتي الباخرة ليمنوس حول آلة للحاكي تردد معزوفة من نوع التانغو الإغريقي الشجي، ولا أدري إذا كانت هذه الموسيقى المضطرمة المحزنة هي التي أثرت في نفسي، ومهما يكن الأمر فإني أرحل عن بيروت وبين جوانحي من الكآبة ما لم أشعر بمثله من قبل. لقد فارقت سورية مرات عديدة دون أن يترك الفراق في نفسي ما تركه الآن وهذه هي المرأة الأولى التي أغادر معها هذه البلاد وكأني أغادر بلدي الذي ولدت ونشأت فيه تاركًا بين ربوعه شطرًا من نفسي كما قال شاعر قديم.

23 حزيران: حيفا

شاطئ جاف لا شجر فيه. شمس وذباب وسآمة. يشكو البحارة في المرفأ من كثرة اليهود المهاجرين الذين أخذوا يفدون من البحر زرافات بعد الحوادث الأخيرة في ألمانيا. لقد كان أحد هؤلاء البحارة فيما مضى جنديًا في سوريا في جيش الملك فيصل ولقد تكلمنا معًا عن مدينة دمشق التي هي في نظره أجمل بلاد العلم.

23 حزيران: بور سعيد

لقد عدت ورأيت في بور سعيد حركة المرفأ الذي تلتقي فيه شعوب العلم وشناعة تلك المدينة المحددة المخططة التي لا ماضي لها. تنتشر في شوارعها رائحة المقليات الحقيرة وتبدو لناظرها وكأنها أصدق صورة لمدن البحر الأبيض بذلك المخصوص الذي تتمشى متسللة في جوانبه عنزاته الناحلات. وهو حي يحظر على جنود صاحب الجلالة البريطانية الدخول إليه كما نصت على ذلك الإعلانات المعلقة على مداخله. شمس محرقة وحدائق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت