ومما لا شك فيه أيضًا أن الحرب كانت السبب في هجرة القبائل، فأثرت في توزيع الشعوب على سطح الأرض. واستوطن الأراضي الخصبة الممتلئة بالأحراج والصالحة للصيد أعظم الجماعات قوة وأكثرها شجاعة ونشاطًا وأحسنها تنظيمًا وأغناها سلاحًا. لم يتغير شيء من ذلك الآن لأن أعظم الأمم قوة وأحسنها مدنية تستثمر اليوم منابع النفط ومناجم المعادن لأن هذه المواد الأولية ضرورية للصناعة الكبرى كما هي ضرورية لمدنية الآلات ومعدات الحرب.
إن تغير عدد السكان أمر هام بذاته، لا يزال العلماء يبحثون فيه منذ عصر تقريبًا، ولكنهم لم يتوصلوا بعد إلى التعبير عنه بدستور علمي ثابت لأنه تابع لأسباب مختلفة لا يمكن جمعها في قانون واحد. إن عدد السكان قد ازداد في الجماعات الأولية بصورة بطيئة ولكنه من الصعب حصر العوامل التي أثرت في ازدياده، ومما يبعث الحيرة والعجب أن هذه الجماعات اليائسة كانت في حرب دائمة مع الحيوانات الضاربة المحيطة بها. وكانت معرضة للجوع والحرب والمهاجرة وغير ذلك من الأوبئة فازداد عددها بالرغم من ذلك شيئًا فشيئًا حتى اتسع سلطانها وانقادت لها ممالك الأرض.
وربما قيل أن ازدياد عدد السكان قد تولد من تكامل الأدوات الحربية شيئًا فشيئًا وامتياز الإنسان على الحيوان باختراع الأسلحة التي صنعها للحصول على غذائه والدفاع عن نفسه في مقاتلة أعدائه الطبيعيين. على أنه من الممكن أيضًا أن يكون ازدياد السكان ناشئًا عن انقطاع الحرب ورجوع الهدن التي تحفظ الحياة وتهيئ أسباب الراحة وتساعد على تربية الحيوانات النافعة وحراثة الأرض. ولا أشك أبدًا في أن عدد السكان يزداد بازدياد وسائل الراحة والرفاه وشمول الأمن أي بازدياد الحضارة.
إن أكثر المتعلمين يعرفون منذ زمان غير بعيد قريب هذه الأفكار ذات النتائج العملية ويعرفون كثيرًا من الأفكار المشابهة لها حتى لقد صارت أساسًا لفلسفة السياسيين في أوروبا. أما رجال السياسة في الشرق الأدنى فقد كانوا يجهلون هذه الأفكار تمامًا. ولقد رأى (توماس روبر مالتوس) أحد علماء الاقتصاد البريطانيين الذين ظهروا في أوائل القرن التاسع عشر أن يبحث في هذه المسائل بصورة علمية فأصدر كتابه مبادئ السكان فذاع صيته بسرعة وشغل الناس به كثيرًا وبالرغم من أن كثيرًا من المفكرين الذين تربطهم