المعنى متعذر الفهم تمامًا. وربما صدر هذا الطراز من التعريب عن الحديثي العهد في الترجمة، لا عمن مارسها بين لغات شتى منذ عشرات السنين وعرب حتى الآن عدة كتب ومواضيع مختلفة مدرسية وسواها يفهمها صغار التلاميذ كل الفهم فضلًا عن كبارهم، وها هو كتاب (فلسفة مناهج العلوم) نفسه مائل بين أيدي طلاب دور المعلمين والمعلمات في دمشق وحلب منذ سنتين يدرسونه ويفهمونه ولم يشعر أحد منهم ولا ممن طالعه لنفسه (بالأصل الفرنسي) ، بل يكفي لمن تصفحه قليلًا أن يرى، بعكس ما رآه الناقد، لغة عربية مصقولة وتعابير تحلو في الطبع وتستاغ في الأذن (كما قال أحد مقرظيه الأدباء الحياديين في جريدة الأيام عدد 36) مما يبرهن على أنه عرب تعريبًا متقنًا بتصرف غير مخل مع العناية الخاصة بتقريبه من الفهم وإقصائه عن التعقيد، الأمر الذي حمل حضرة الناقد على الاعتراف بأني أتيت بأمثلة لم ترد في الأصل الفرنسي (حسية، مشخصة، موافقة لمدراك التلاميذ رغبة في تقريب المباحث من أذهانهم) . فأين هذا القول من صناعة التعريب الحرفي؟ ولو أنصف حضرة لا ناقد وأنعم النظر في هذا الكتاب وقابله مع الأصل الكثير التعقيد والإبهام، لقنع بالجهود التي بذلت في سبيل جعله عربيًا خالصًا بعيدًا عن كل مسحة فرنجية.
ومن الغريب اعترافه أيضًا بأني وفقت في تعريبه إلى وضع بعض الاصطلاحات الفلسفية الجديدة، ولكنه ما لبث أن عاود خطة الملامة، فنسب إلي مخالفة كلام فلاسفة العرب في تعريب جملة ب - (لا علم إلا من العام) مفضلًا تعريبها ب (لا علم إلا بالكليات) . نعم يمكن أن تعرب أيضًا بهذه الصورة، وإني لم أهمل تفسيرها بعد بضعة سطور بقولي: العلم، معرفة شاملة قائمة على كليات عامة وما أظن أني ارتكبت بذلك (مخالفة لكلام فلاسفة العرب) .
والتناقض الفكري الذي وقع فيه حضرة الناقد يظهر جليًا من ملاحظته على تعريبي (بالحس العضلي) وزعمه أن هذا التعريب لا ينطبق على المعنى الأصلي لهذا اللفظ. نعم أن التعريب (الحرفي!) هو (الحس الحركي) ولكن من الذي يفهم المعنى المقصود من هذا التعريب الحرفي؟ لأن كل أنواع الحس يتضمن شيئًا من الحركة ولذلك فضلت التصرف بالتعريب شأني في جميع المواطن الغامضة، على المحافظة على الأصل، حبًا بالتوضيح