نريد أن نذكر شيئًا عن قنوات بردى وتاريخها إذ لعلنا بعد هذا البحث نستطيع أن نعرف الزمان الذي بنيت فيه ونطلع على اسم الذي بناها. إن البحث في هذه المسائل صعب جدًا، لأن شبكة الأنهر كشبكة الطرق لا تبقى إلا إذا تعهدها الناس بالعناية الدائمة. إن البحث في الأطلال والخرائب أسهل من البحث في الآثار الحية لأن الأجيال المتتابعة قد أثرت فيها وأضافت إليها أشياء كثيرة حتى صارت مركبة بعيدة عن حالتها الأولى. فأنهار دمشق من الآثار الحية التي أضاف إليها كل جيل شيئًا من عمرانه.
إن جميع الأمم التي انتقلت من الفرات إلى النيل أو هاجرت من شواطئ النيل إلى شواطئ الفرات تركت أثرًا في سوريا. فهل نستطيع أن نستدل بهذه الآثار على الشعب الأول الذي امتاز على غيره بحفر هذه القنوات؟ لاشك أن أول من فكر في الاستفادة من المياه هو الإنسان الحضري ولكن تاريخ سوريا بقي زمانًا طويلًا مفعمًا بالوقائع العديدة التي كانت تجري بين البدو والحضر. فالغوطة لم تتولد من جهود شعب منفرد ولا هي نتيجة زمان واحد، بل تولدت من جهود أمم عديدة لأنها كانت طريقًا للفاتحين في ذهابهم وإيابهم. وكلما مر بها فاتح تغلبت عليه بجمالها وطبيعتها فانصرف إليها وأضاف جهوده إلى جهود غيره ممن سبقه وهكذا تجمعت الأمم المتعاقبة بعضها فوق بعض حتى وصلت الغوطة إلى ما هي عليه اليوم من توزيع المياه وخصب التربة. وكلما كان نصيب الأرض من الماء أكثر كان إنتاجها أحسن ولذلك تجد سكان الغوطة كثيري الحرص على الأراضي التي يمكن سقيها بالماء ولعل الإنسان الأول كان أكثر حرصًا على الماء من الإنسان الحاضر لاقتصاره على الأرض في معاشه واقتصاره على الماء في استثمار الأرض وخوفه من الفاتحين في كل صباح ومساء.
لم يختلف سكان الغوطة الأقدمون عن غيرهم من الأوائل في حياتهم ومعاشهم فقد بدأوا أولًا بصيد الحيوانات ثم انتقلوا من الصيد إلى الرعي فلما صاروا رعاة وجدوا في مروج الغوطة ما تحتاج إليه قطعانهم من الحشيش والكلأ فالتجأوا إليها عند اشتداد الحر. ولا يزال البدو في أيامنا هذه يأوون إلى هذه المروج الخضراء في أيام الحر من شهر أيار إلى شهر أيلول ولما التجأ الرعاة إلى الأرض وأقاموا فيها أخذوا يعنون يزرعها ليطعموا قطعانهم فتوزعوا الأرض وعمروها.