فهرس الكتاب

الصفحة 803 من 1406

قوله تعالى:

{يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} الآية: 72

[1828] وقال عبد بن حميد أخبرني شبابة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله {يَكَادُونَ} أي كفار قريش {يَسْطُونَ} أي يبطشون بالذين يتلون القرآن 1.

= فلما سمعه المشركون حملوه على الجميع، وقالوا: قد عظم آلهتنا، ورضوا بذلك، فنسخ الله تلك الكلمتين وأحكم آياته وقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم يرتّل القرآن، فارتصده الشيطان في سكتة من الكتاب، ونطق بتلك الكلمات محاكيا نغمته، بحيث سمعه من دنا إليه فظنها من قوله وأشاعها. قال - أي ابن حجر: وهذا أحسن الوجوه، ثم أيده بتفسير ابن عباس {تَمَنَّى} بتلا، وباستحسان ابن العربي لهذا التأويل.

أقول بعد هذا: إن هذه القصة لا تصح سندًا - كما صرح ابن حجر فيما تقدم من كلامه، وإن كان يرى أن كثرة الطرق تدل على أن لها أصلا. وقد بين الشيخ الألباني ضعف هذه الطرق، وبين بطلاق القصة سندًا ومتنا. ثم إن هذه القصة تعارض النصوص القرآنية الصريحة في كون الشيطان لا سبيل له على أولياء الله وأصفيائه {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الحجر:42] {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل:99] ، وأولاهم النبي صلى الله عليه وسلم. فهي تعارض صريح القرآن في عصمة النبي صلى الله عليه وسلم في إخباره بالوحي وفيما يبلغه من شرع الله، وأن الشيطان لا سبيل له عليه صلى الله عليه وسلم في ذلك {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:3-4] ، {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} [الشعراء:221-222] ، {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] .

هذا وقد ضعّف ابن حجر نفسه طرق هذا الحديث عقب إيرادها قائلا:"وكلها سوى طريق سعيد بن جبير إما ضعيف وإلا منقطع، لكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلا، مع أن لها طريقين آخرين مرسلين رجالهما على شرط الصحيحين". فذكر الروايتين المتقدمتين برقم 1826 و 1827، وهما أيضا مرسلان كما بيّن الحافظ نفسه، والمرسل من أنواع الضعيف كما هو معلوم. والله تعالى أعلم.

1 فتح الباري 8/440-441. أخرجه ابن جرير 17/202 من طرق عن ابن أبي نجيح، به نحوه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت