فهرس الكتاب
فأجاب: الحمد لله تعالى، والصلاة والسلام على رسول الله، الجواب -وبالله التوفيق -أن الأصل ألا يطالب المسلمون بمغارم غير واجبة بالشرع، وإنما يطالبون بالزكاة، وما أوجبه القرآن والسنة كالفيء والركاز وارث من يرثه بيت المال، وهكذا ما أمكن به حمى الوطن، وما يحتاج له من جند ومصالح المسلمين وسد ثلم الإسلام، فإذا عجز بيت المال عن أرزاق الجند وما يحتاج إليه من آلة حرب وعدة فيوزع على الناس ما يحتاج إليه من ذلك، وعند ذلك يقال: يخرج هذا الحكم ويستنبط من قوله تعالى {قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا... الآية} [1] . لكن لا يجوز هذا إلا بشروط:
الأول أن تتعين الحاجة، فلو كان في بيت المال ما يقوم به لم يجز أن يفرض عليهم شيء لقوله صلى الله عليه وسلم: « لَيْسَ على مُسْلِمٍ جِزْيَة » . وقال صلى الله عليه وسلم: « لا يَدْخُل الجَنّةَ صَاحِبُ مَكْسٍ » وهذا يرجع إلى إغرام المال ظلمًا.
الثاني أن يتصرف فيه بالعدل، ولا يجوز أن يستأثر به دون المسلمين، ولا أنْ ينفقه في سرف، ولا أن يعطي من لا يستحق، ولا يعطي أحدًا أكثر مما يستحق.
الثالث أن يصرفه مصرفه بحسب الحاجة والمصلحة لا بحسب الغرض.
الرابع أن يكون الغرم على من أن قادرًا من غير ضررٍ ولا إجحاف، ومن لا شيء له أوْ لَهُ شيء قليل فلا يغرم شيئًا.
الخامس أن يتفقد هذا في كل وقت، فربما جاء وقت لا يفتقر فيه لزيادة على ما في بيت المال، فلا يوزع، وكما يتعين التوزيع في المال فكذلك إذا تعينت الضرورة للمعونة بالأبدان ولم يكف المال، فإن الناس يجبرون على التعاون وعلى الأمر الداعي للمعونة بشرط القدرة وتعين المصلحة والافتقار إلى ذلك.
فإذا تقرر هذا فنقول في المسألة المسؤول عنها: إذا جزم أمير المؤمنين
(1) تخريج.