وأما إن علم أنه ليس بمملوك لإحدى القريتين وأنه ينبع في أرض غير ممتلكة فهذا مثل مهزور الذي حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يسقي به الأعلى فَالأعلى ويُمسِكُ الماءَ حتى يَصلَ إلى الكعبين ثم يُرسل إلى الأسفل، فإن غرس أحد على هذا الماء وهو على هذه الصفة فليس لأحد ممن فوقه أن يحدث فوقه ما يَضُر به في سقيه ولا ممن يحدث عنه لمسجد ولا غيره إلا أن يكون جلبه إلى المسجد لا يضر به هو في الانتفاع به في ذلك، وإن لم يتعلق لأحد به حق حتى قام بعض أهل القرية أو كلهم وجلبوه للمسجد فذلك لهم جائز، وإن كان المشهور من المذهب أنه لا يجوز إحياء ما خرب من العمران إلا بإذن الإمام، لكن قال أصبغ في العتبية: لا يجوز استيذان الإمام في إنشاء الأرحى على الأنهار والمياه التي ليست مملوكة إن كانت بقرب العمران، وقال أنهارهم إنما هي لهذا ولمثله من المنافع، وهذا الذي أشار إليه أصبغ العمل به في وقتنا هذا واضح، لأن الأمراء لم تجر عادتهم بالتحجير على الناس بالانتفاع بماء العيون والأنهار التي تكون في بور الأرض وما ليس بمملوك منها فكأنه مأذون فيه بالعادة المستمرة والله سبحانه أعلم، مع أنه على القول بالاحتياج إلى الإذن قد قيل إنه إذا أحيى بغير إذن فلا ينتزع منه إذا اختص المحيي به لنفسه فكيف بهؤلاء وهم إنما جلبوه لمنفعة عامة؟ وإن كان القاضي ابن رشد استبعد ما قال أصبغ فليس عندي ببعيد لما أشرنا إليه، لكنه إن كان على هذا الوجه فإذا عجزوا واعترفوا بالعجز عنه فلا يمنع ذلك غيرهم من الانتفاع به وليس كماء مملوك لأن المملوك إذا حبسه مالكه تم في
[35/8] الحبس، وهذا الذي ليس بمملوك إنما جلبهم له إحياء، فإن عجزوا عنه بقي كما كان قبل جلبهم، وقد نص العلماء على أنه من أحيا مواتًا وعجز عنه فإن ذلك يوجب إخراجه من يده، ولا يمنع منه عامة المسلمين ويبقى عاطلًا، وليس كملكه، فإن عجزه على الانتفاع بملكه لا يخرجه عن ملكه أبدًا.