والجواب عن الثاني وهو رجحان فعل المؤذن على فعل صاحب المنزل لكون فعل المؤذن من باب المندوب وفعل صاحب المنزل من باب المباح هو أن يقال لا نسلم أن صعود المنار للأذان مندوب إليه حتى يثبت في هذا المنار أن الإسماع والإعلام بالأوقات بالصعود، ولم يثبت هذا بعد ولعل الإسماع يحصل بدون الصعود عليه، لأن الصعود فيه غايته أن يكون وسيلة الإسماع والإعلام بالأوقات ولم يثبت هذا بعد، ولعل الإسماع يحصل بدون الصعود كما لو أذن هذا المؤذن بباب المسجد بين جيران متداني الأقطار من المسجد فيزول الصعود حينئذ عن كونه وسيلة إلى الإسماع المندوب إليه فلا يكون مندوبًا إليه، سلمنا أنه من باب المندوب لكن لا نسلم أن فعل صاحب المنزل في منزله ذلك من باب المباح لأن حقيقة المباح ما استوى فعله وتركه في نظر الشرع ولو فرضنا الإنسان يترك جميع تصرفاته في منزله، وما يحتاج إليه فيه من الحركة والقيام والذهاب والقعود وغير ذلك مما لا غنى للإنسان عنه، مما يعود إليه بالصلاح في دينه ودنياه لساءت حاله ولأضرَّ بنفسه بما لا منفعة له فيه مذمومًا في نظر الشرع ولا يجتمع الذم مع الإباحة في نظر الشرع
[480/8] غاية ما في الباب أن يقال إن أفعال الإنسان في منزله ومستوطنه منها ما لا غنى عنه فهذه إن تركها ذُمَّ في نظر الشرع، ومنها ما قد يستغنى عنه فهذه هي التي يقال فيها إنها من باب المباح لكن لم يتعين بعد في مسألتنا هذا القسم حتى يجعل بإزاء صعود هذا المؤذن ويقال هو يعارضه أو لا يعارضه. سلمنا أن أفعال صاحب هذا المنزل كلها مباحة وصعود المؤذن مندوب لكنه وجدنا هذا الصعود يشمل كونه ابتغاء الخير والثواب وهذا مندوب إليه وكونه اطلاعًا على حرم المسلمين وهو حرام لا يحل والقاعدة الشرعية أنه متى اجتمع المحرم مع غيره من الأحكام الأربع الواجب والمندوب والمباح والمكروه قدم المحرم وقد اجتمع في صعود هذا المؤذن الحرام مع غيره من الأحكام فليقدم عليه.