وأجاب أبوعلي المسيلي: أما بعد، صانك الله بكفايته، وتولاك برعايته، وجعلنا وإياك من أهل طاعته، فقد قرأت ما قيم به على سليمان أن الشقاق عما أقرّ به أنه يقوم ويدعو ويتردد في ذلك قدر ساعة بزعمه، وسألت عن الواجب في ذلك وهل يباح له ذلك أو يمنع منه؟ وعلمك محيط أن الله سبحانه فرض على نبيه صلى الله عليه وسلم قيام الليل ثم خفف عنه في ذلك ونسخه، وقال بعض السلف من المتقدمين إن قيام الليل فرض على الناس من أطاقه منهم، وعلى الرسول صلى الله عليه وسلم حتى تورَّمت قدماه، وقال لمن عاتبه: (( أَفَلا أَكُونُ عَبْدًَا شَكُورًَا ) ). وقال تعالى في مدح الذاكرين: {والذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا والذَّاكِرَاتِ} ، وقال: {يَا أَيُّهَا الذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًَا كَثِيْرًا وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيْلًا} ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( مَا رَأيْتُ أَنْجَى مِنْ عَذابِ اللهِ مِن ذِكرِ اللهِ ) )، وقال تعالى: {اذكُرُونِى أَذْكُرْكُم} ، فأمر بذكره على كل حال. فكل ما فعله سليمان مأمور به مرغب فيه حسن من الدعاء وقراءة القرآن وتذكير الناس وتخويفهم قدير من فعل الصالحين والمتبتلين الزهاد في أمصار المسلمين. وقد كان بالبصرة عروة بن أذينة يقوم بالليل فيصيح في الطرق ويخوفهم ويحضهم بقول الله عزّ وجلّ: {أَفَأَمِنَ أَهلُ القُرىَ أَن يَأتِيَهُم [إلى قوله] وَهمْ يَلعَبُون} ، ثم يقبل على صلاته فيصلى حتى يصبح. وإنما على المرء من النوافل ما قدر عليه لا يكلِّفَه الله ما لا يطيقه، فقد رُوِىَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قيل له إن الخَوْلاء بِنتَ ثُوَيْب لا تنام الليل، فكره ذلك وقال: (( إنَّ اللهَ لا يَملُّ حتى تَمَلَُوا اكفلوا من العمل ما لكم به طاقة ) ). إلا أنه لا يجوز لسليمان ولا لغيره أن يؤذي أحدًا بفعل ولا قول. ومن فعل ما ذكرته فغير ملوم.