حفظ قانون السياسة وبث العدل والتناصف الذي تحقن به الدماء ويتمكن من إقامة قوانين الشرع ، وهذه وظيفة أولي الأمر . وكذلك أصحاب الحديث ينتفعون بضبط الأحاديث التي هي أدلة الشرع ، والقراء ينتفعون بحفظ القراءات وضبط الروايات ، والزهاد ينتفعون بالمواعظ والحث على لزوم التقوى والزهد في الدنيا ، فكل واحد ينتفع بغير ما ينتفع به الآخر ، لكن الذي ينبغي أن يكون المبعوث على رأس المائة رجلًا معروفًا مشهورًا مشارًا إليه [8/10] في كل فن من هذه الفنون . فإذا حمل [1] تأويل الحديث على هذا الوجه كان أولى وأبعد عن التهمة وأشبه بالحكمة ، فإِن اختلاف الأئمة رحمة ، وتقرير أقوال المجتهدين مُتعيِّن . فإِذا ذهبنا إلى تخصيص القول على أحد المذاهب وأوَّلنا الحديث عليه بقيت المذاهب الأخرى خارجة عن احتمال الحديث لها وكان ذلك طعنًا فيها ، فالأحسن والأجدر أن يكون ذلك إشارة إلى حدوث جماعة من الأكابر المشهورين على رأس كل مائة سنة يجددون للناس دينهم ويحفظون مذاهبهم التي قلَّدوا فيها مجتهديهم وأيمتهم . ونحن نذكر الآن المذاهب المشهورة في الإسلام التي عليها مدار المسلمين في أقطار الأرض ، وهي مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك وأحمد ، ومذهب الإِمامية ، ومن كان المشار إليه من هؤلاء على رأس كل مائة ، وكذلك من كان المشار إليه في باقي الطبقات . وأما من كان قبل هذه المذاهب المذكورة فلم يكن الناس مجمعين على مذهب إمام بعينه ، ولم يكن قبل ذلك إلا المائة الأولى ، وكان على رأسها من أولي الأمر عمر بن عبد العزيز ، ويكفي الأمة في هذه المائة وجوده خاصة ، فإنه فعل في الإسلام ما ليس بخافٍ . وكان من الفقهاء بالمدينة محمد بن علي الباقر ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، وسالم بن عبد الله بن عمر ؛ وكان بمكة منهم مجاهد بن جبر ، وعكرمة مولى ابن عباس ، وعطاء بن أبي رباح .
(1) في نسخة: أحمد .