وقد مضى القول عليه فيما وصفناه من حال الطائفة التي عرفت [35/10] صحة مذهب مالك بما بان لها من صحة أصوله وتفقهت فيما حفظته من أقواله فعرفت الصحيح منها من السقيم ، ولم تبلغ درجة التحقيق بمعرفة قياس الفروع على الأصول ، لأنه لا يكون ملتزمًا للمذهب المالكي إلاّ بما بان له من صحة أصوله التي بناه عليها ، ولأنه إذا لم يكن في نفسه أهلًا للفتوى فإنما ذلك من أجل أنه لم يبلغ درجة التحقيق بقياس الفروع على الأصول . فمثيل هذا القاضي فيما يمّر به من نوازل الأحكام التي لا نص عنده فيها من قول مالك أو قول بعض أصحابه ، فقد بانت له صحته ألاّ يقضي فيها إلاّ بفتوى من يسوغ له الاجتهاد ويعرف وجه القياس إن وجده في بلده ، وإلاّ طلبه في غير بلده . فإِن قضى فيها برأيه ولا رأي له أو برأي من لا رأي له كان حكمه موقوفًا على النظر ، ويأمر الامام القاضي إذا لم يكن من أهل الاجتهاد ولا كان في بلده من يسوغ له الاجتهاد ألاّ يقضي فيما سبيله الاجتهاد إلاّ بعد مشورة من يسوغ له الاجتهاد ، وبالله التوفيق .
[الاجتهاد والتقليد عند القرافي]
وفي الفرق الثامن والسبعين من قواعد شهاب الدين القرافي رحمه الله ما نصه: اعلم أن طالب العلم له أحوال ،
الحالة الأولى أن يشتغل بحفظ مختصر من مختصرات مذهبه فيه مطلقات مفيدة في غيره وعمومات مخصصة في غيره ، ومتى كان الكتاب المعين حفظه وفهمه كذلك وجوز عليه أن يكون كذلك حرم عليه أن يفتي بما فيه ، وإن أجاده حفظًا وفهمًا إلاّ في مسألة يقطع فيها أنها مستوعبة للتقييد وأنها لا تحتاج إلى معنى آخر من كتاب آخر ، فيجوز له أن ينقلها لمن يحتاجها على وجهها من غير زيادة ولا نقصان ، وتكون هي عند الواقعة المسؤول عنها ، لأنها تشبهها ولا تخرج عنها ، بل هي حرفًا بحرف ، لأنه قد يكون هنالك فرق يمنع من الإلحاق وتخصيص أو تقييد يمنع من الفقه المحفوظ ، فيجب الوقف .