الحالة الثانية أن يتبع تحصيله في المذهب بحيث يطلع من تفاصيل الشراحات والموطئات على تقييد المطلقات وتخصيص العمومات ، ولكنه مع ذلك لم يضبط مدارك إمامه ومستنداته في فروعه ضبطًا متقنًا ، بل سمعًا من [36/10] حيث الجملة من أفراد الطلبة والمشايخ ، فهذا يجوز له أن يفتي بجميع ما ينقله ويجفظه في مذهبه اتباعًا لمشهور ذلك المذهب بشروط الفتيا ، ولكنه إذا وقعت له واقعة ليست في حفظه لا يخرجها عن محفوظاته ولا يقول هذه تشبه هذه المسألة الفلانية ، لأن ذلك إنما يصح ممن أحاط بمدارك إمامه وأدلته وأقيسته وعلله التي اعتمد عليها مفصلة ومفرعة رتب تلك العلل ونسبها إلى المصالح الشرعية وهل هي من باب المصالح الضرورية أو الحاجية أو التتميمية ؟ وهل هي من باب المناسب الذي اعتبر نوعه من نوع الحكم أو جنسه في جنس الحكم أو جنسه في نوع الحكم ؟ وهل هي من باب المصلحة المرسلة التي هي في أدنى رتب المصالح ؟ أو من قبيل ما شهدت لها أصول الشرع بالاعتبار وهو من باب قياس الشبه أو المناسب أو قياس الدلالة أو قياس الإخالة أو المناسب الغريب إلى غير ذلك من تفاصيل الأقيسة ورتب العلل في نظر الشرع عند المجتهدين . وسبب ذلك أن الناظر في مذهب إمامه والمخرج على أصول إمامه نسبته إلى إمامه ومذهبه كنسبة إمامه إلى صاحب الشرع في اتباع نصوصه والتخريج على مقاصده ، فكما أن إمامه لا يجوز أن يقيس مع قيام الفارق ، لأن الفارق مبطل للقياس ، والقياس الباطل لا يجوز الاعتماد عليه ، فكذلك هو أيضًا لا يجوز له أن يخرج على مقاصد إمامه فرعًا على فرع نص عليه مع قيام الفرق بينهما ، لكن الفروق إنما تنشأ عن رتب العلل وتفاصيل أحوال الأقيشة .