فإذا كان إمامه قد أتى في فرع بني على علة اعتبر فرعها في نوع الحكم لا يجوز له هو أن يخرج على أصل إمامه فرعًا مثل ذلك الفرع ، لكن عليه من قبيل ما شهر جنسه لجنس الحكم ، فإن النوع في النوع مقدم على الجنس في الجنس ، ولا يلزم من اعتبار الأقوى اعتبار الأضعف . وكذلك إذا كان إمامه قد اعتبر مصلحة سالمة عن التعارض لقاعدة أخرى فوقع له هو فرع تلك المصلحة لكنها معارضة بقاعدة أخرى أو بقواعد فيحرم عليه التخريج حينئذ لقيام الفارق ، أو تكون مصلحة إمامه التي اعتمد عليها من باب الضروريات . فيفتي هو بمثلها ، ولكنها من باب الحاجات أو التتمات ، وهاتان ضعيفتان مرجوحتان بالنسبة إلى الأول ، ولعل إمامه راعى خصوص تلك القربة ، والخصوص ما ثبت هاهنا . ومتى حصل [37/10] التردد في ذلك والشك وجب التوقف ، كما أن إمامه لو وجد صاحب الشريعة قد نص على حكم ومصلحة من باب الضروريات حرم عليه أن يقيس عليه ما هو من باب الحاجات أو التتمات لأجل قيام الفارق ، فكذلك هذا المقلد له لأن نسبته إليه في التخريج كنسبة إمامه لصاحب الشريعة . والضابط له ولإمامه في القياس والتخريج أنهما متى جوّزا فارقًا يجوز أن يكون معتبرًا حرم القياس ، ولا يجوز القياس إلاّ بعد الفحص المنتهى إلى غاية أنه لا فارق هنالك ولا معارض ولا مانع يمنع من القياس والتخريج . وهذا مشترك فيه بين المجتهدين والمقلدين للأئمة المجتهدين فمهما جوز المقلد في معنى ظفر به في فحصه واجتهاده أن يكون إمامه قصده أو مراعيه حرم عليه التخريج ، فلا يجوز التخريج حينئذ إلاّ لمن هو عالم بتفاصيل أحوال الأقيسة والعلل ورتب المصالح وشروط القواعد وما يصلح أن يكون معارضًا وما لا يصلح ، وهذا لا يعرفه إلاّ من يعرف أصول الفقه معرفة حسنة فإذا كان موصوفًا بهذه الصفة وحصل له هذا المقام تعيّن عليه مقام آخر وهو النظر وبذل الجهد في تصفح تلك القواعد الشرعية وتلك المصالح وأنواع الأقيسة وتفاصيلها .