=فَأَجَابَ: لما تقرر من قولهم المشروعات المطلوب فعلها إما أن تكون صور أفعالها كافية في المصلحة المطلوبة منها أو لا، فإن كان الفرد الأول كرد الديون و الغصوب و الودائع فلا يحتاج فيه إلى نية، و إن كان الثاني و هو أن لا تكون صورته كافية في تحصيل مصلحته المطلوبة من إيقاعه فلا بد فيه من النية، و ذلك يتناول الأمور التعبدية كلها، فإنها شرعت لتعظيم الرب تعالى و إجلاله، و الإجلال إنما يحصل بالقصد، و حيث تعرض هذه القاعدة على فعل ذكاة الحيوان المباح أكله بها تجده من المهيع الثاني، فإن الله سبحانه لما تفضل على هذا النوع البشري و من عليه منة لا يقوم له فيها بشكر، و من أعظمها أن خصه بالعقل الذي هو أشرف مخلوق، و فضله على كثير ممن خلق تفضيلا أباح له إتلاف كثير من الحيوان فيما يقوم بتغذية روحه الحيواني فلا يستبيح قطعه من لحم الحيوان المباح إلا مع القصد لاستباحته بما لا يستباح إلا به، و لولا أن في تلك الصورة الخاصة و ضعا شرعيا يتعبد به و نقف عنده مع إرادة الامتثال فيه لكان الإتلاف بإنفاذ مقتل من المقاتل كافيا في تحصيل الغرض من تناول اللحم كما هو الأمر عند بعض النصارى و الصابئين و المجوس، و إزهاق النفس بسرعة و استخراج الفضلات قدر مشترك في سائر المقاتل، بل العقر بالحديد في و سط القلب أوجز في إزهاق النفس من الذكاة، فالورود على فعل الذكاة من غير نية لا تحصل به إباحة لفقد المبيح، و إنما يصير كفعل غيره من عقر المقاتل، كمن توضأ للتبرد فقصاراه حصول النظافة لا غير، لا يستبيح بذلك أداء المكتوبة و لا النافلة، فإذا تقرر أن الذكاة محض عبادة و من ثم قالوا: بلزوم النية فيها إجماعا، فاستشكال ما يرد على ذلك من قولهم التعبد لا يفتقر إلى نية إلا إذا فعله الإنسان في نفسه أما في غيره فلا، كغسل الإناء من و لوغ الكلب، و غسل الميت، ينفصل عنه بتقييد ذلك في المثال الذي ذكرتم بكون الفعل في الغير مما لا تعلق له بتعبد