فهرس الكتاب
فانظر كيف حسّنت رضي الله عنها الأدب في عبارتها نساء فتبرأت من إضافة منع النساء إلى نفسها أو إلى أحد من الناس كالأزواج والحكام، بل أضافته إلى من هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم من له الحكم بالمنع وغيره، بحسب ما جعل له تعالى وأرسله به كما قال تعالى:
[339/11] {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ} . وهذا والله أعلم نكثة تعبيرها رضي الله عنها في هذا الموضع برسول الله صلى الله عليه وسلم ولم تعبر بنبي الله. ومرادها بقوله والله تعالى أعلم: لمنعهنَّ المسجد أي يمنعهن بصريح القول، وإلا فقد علمت رضي الله عنها أنه عليه الصلاة والسلام قد منع المأمونات من الخروج إلى المسجد بطريق الإيماء لتعليق النهي عن منع النساء من الخروج بكونهن إماء الله على ما مر تقريره، أو لما علم من قواعد شرعة العزيز المحكم من انخرام المصالح للمفاسد، التي تلزم راجحة لتلك المصالح، أو مساوية لها، إذ درءُ المفاسد أولى من جلب المصالح. ومن هذا المعنى تلطف عمر رضي الله عنه في منع زوجته من الخروج إلى المسجد فلم يتجاسر رضي الله عنه على شدة غيرته أن يعارض نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمنع زوجته من الخروج بصريح القول أو بصريح الفعل، لكن تلطف في ذلك لما رأى فيه من المصلحة حتى امتنعت زوجته رضي الله عنها من الخروج لنفسها. وهذا الاحتمال الثاني أولى من الأول في تأويل غضب عبد الله بن عمر على ولده بلال، وسبه له رضي الله عنهم، وقد زاد في المصابيح أن عبد الله بن عمر رضي الله عنه لم يكلم ولده وهجره بسبب ما صدر عنه إلى أن مات. وإذا كان هذا حال السلف في الإذعان لما يطرقه التخصيص والتأويل فيه فكيف الحال من نهيه عليه الصلاة والسلام عن سب الدهر. فهذا يدلك على عظيم جرأة ذلك الأحمق الذي يقول: بل أنا أسب الدهر معارضًا لكلام من لا ينطق عن الهوى صلوات الله وسلامه عليه.