الصفحة 262 من 543

والتَّالُّم من هذا الجُوعِ والعطَش، إذَنْ صَبرٌ على أقدار اللَّه تعالى المُؤلمِة؛ ففيه أنواع الصَّبْر الثلاثة: صبرٌ على طاعة اللَّه تعالى، وصبرٌ عن مَعصية اللَّه تعالى، وصبرٌ على أقدار اللَّه تعالى المُؤلمِة.

قال تعالى: {وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ} يَقول المُفَسِّر رَحِمَهُ اللَّهُ: [المُتواضِعِين] الخاشِع المتواضِع المُتطامِن، وضِدُّه المُتَعالِي المُسْتَكبِر؛ فالخُشُوع إِذَنْ: تَطامُن، وخُضوع، وتَواضُع، وهو من أعلى مَراتِب الإيمان، ومن اَكمَلِ أحوال القَلْب، والخُشوع له مَواضِعُ منها الخُشوع في الصلاة؛ فسَّرَه الفُقَهاء رَحِمَهُ اللَّهُ بأنَّه سُكونٌ في القَلْب، يَتبيَّن على الجوارِح، وبعضُهم قال: مَعنًى في النَّفْس، يَظهَر منه خُشوع الأطراف. فهو في القَلْب ويَظهَر أثَرُه على الجوارِح.

ولهذا يُروَى عن عُمرَ -رضي اللَّه عنه- أنه رأَى رَجُلًا يَعْبَثُ بلِحيته وهو يُصلِّي، فقال: لو سَكَن قَلْب هذا لسَكَنَت جوارِحُه (1) . وقد رُوِيَ مَرفوعًا (2) ولا يَصِحُّ، وإنما هو عن عُمرَ -رضي اللَّه عنه- على ما فيه ضَعْف عنه.

فالخُشوع في الصلاة: هو سُكون القَلْب الذي يَظهَر أثَره على الجوارِح، أو مَعنًى يَكون بالنَّفْس يَظهَر منه سُكون الأطراف، وهناك أيضًا خُشوع في بَقيَّة الطاعات، بأن يُؤدِّيَها الإنسان، وهو مُتَواضِع مُتطامِنًا للَّه عَزَّ وَجَلَّ، ومنه ما حصَل

(1) ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى (18/ 273) ، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (ص: 419 رقم 1188) ، وعبد الرزاق في المصنف (2/ 266) ، وابن أبي شيبة في المصنف (4/ 482) ، عن ابن المسيب من قوله.

(2) أورده الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (3/ 210) ، من حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، وعزاه له العراقي في تخريج الإحياء (1/ 178) وقال: سنده ضعيف، والمعروف أنه من قول سعيد ابن المسيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت