الصفحة 459 من 543

"اللَّهُمَّ ارْحَمْني ومحُمَّدًا" (1) ، ولم يُنكِر عليه النبيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، لكنها عند السَّلَف يُدعَى للرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- بالصلاة، ولغيره بالرَّحْمة والرِّضا، وما أَشبَه ذلك.

والصَّوابُ: أن صلاة اللَّه تعالى على رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- مَعناها: ثَناؤُه عليه في المَلَأ الأعلى، وليست رَحمَتُه إياه بدليل قوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} [البقرة: 157] ، قال تعالى: {صَلَوَاتٌ} ، {وَرَحْمَةٌ} ، فدَلَّ هذا على أن الرحمة غيرُ الصلاة، وهو كذلك.

أمَّا صلاة المَلائِكة على الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فيُحتَمَل أن تَكون بمَعنَى: الدُّعاء أنهم يَدْعون له بالصلاة، ويُحتَمَل أنَّ المعنى: أنهم يُثنُون عليه مع اللَّه تعالى، وهذا أَقرَبُ، حتى لا يَتَوزَّع المَعنى في كلِمة {يُصَلُّونَ} ، ويَكون المَعنَى أن اللَّه تعالى يُثنِي عليه، والمَلائِكة كذلك يُثنون عليه، وهذا من تَعْلية شَأْن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ ولهذا قدَّم هذه الجُملةَ الخبَريةَ على الجُمْلة الإِنْشائية الطلَبية في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ} ؛ لأن النَّفْس إذا عَلِمت شَرَف هذا النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأن اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى نَفْسَه ومَلائِكته المُقرَّبين وغير المُقرَّبين من المَلائِكة الآخَرين، فإنهم يُصلُّون عليه؛ وأنا قُلتُ: (المَلائِكةَ المُقرَّبين) ؛ لأن المَلائِكة كلَّهم مُقرَّبون بالمَعنَى العامِّ، لكن هناك مَلائِكة مُقرَّبون عند اللَّه تعالى كحَمَلة العَرْش ونحوهم، وكل هؤلاء يُصلُّون على النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-.

وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} فلَمّا تَقرَّر في النُّفوس عُلوُّ شأن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- بهذه الجُمْلةِ وجَّه اللَّه تعالى الخِطاب إلى المُؤمِنين فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} ، وتَصدير الجُمْلة بالنِّداء يَدُلُّ على الأهمِّيَّة والعِناية

(1) أخرجه البخاري: كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، رقم (6010) ، من حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت