الصفحة 49 من 543

وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1) الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ [المجادلة: 1 - 2] فَالسبَب خَاصٌّ، ولكن الحُكْمَ عامٌّ.

وكذلك في السُّنَّة: رأَى النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رجُلًا في السفَر قد ظُلِّل عليه وحولَه زِحام من الناس، فقال:"مَا هَذَا؟"قالوا: صائِم. فقال -صلى اللَّه عليه وسلم-:"لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ" (1) ، إلَّا أن قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-:"لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ"، إذا قُلنا: إن العِبْرَة بعُموم اللَّفْظ لا بخصوص السبَب، فإنه يُشكِل على هذا أن النبيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَصوم في السفَر، كما في حديث أبي الدرداءِ -رضي اللَّه عنه-: ما فينا صائِمٌ إلَّا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وعبدُ اللَّه بنُ رواحةَ (2) ؛ فكيف نُجيب عن حديث:"لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ. . ."، هل النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَفعَل بِرًّا؟

الجواب: كلَّا، نَقول -كما أَشار ابنُ دَقيقِ العيدِ رَحِمَهُ اللَّهُ إلى هذه المَسأَلةِ: إن العِبْرة بعُموم اللفظ، لكن يُراعَى المَعنى الذي من أَجْله ورَدَت هذه الصِّيغةُ (3) ؛ والمَعنَى هُو المَشَقَّة.

فنَقول: إنَّ العِبْرة بعُموم اللفظ لا بخُصوص السبَب، أي: أنه لا يُخَصُّ هذا الحُكْمُ على هذا الرَّجُلِ بعَيْنه، لكنه عامٌّ في جميع الناس، إلَّا أنه يَجِب أن يُراعَى المعنى الذي من أَجْله ورَدَت هذه الصِّيغةُ العامَّة، وهو المَشقَّة؛ فنَقول: ليسَ البِرُّ

(1) أخرجه البخاري: كتاب الصوم، باب قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لمن ظُلل عليه واشتد الحر:"ليس من البر الصوم في السفر"، رقم (1946) ، ومسلم: كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر، رقم (1115) ، من حديث جابر -رضي اللَّه عنه-.

(2) أخرجه البخاري: كتاب الصوم، باب إذا صام أياما من رمضان ثم سافر، رقم (1945) ، ومسلم: كتاب الصيام، باب التخيير في الصوم والفطر في السفر، رقم (1122) .

(3) إحكام الأحكام (2/ 21) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت