الصفحة 8 من 543

رحمن وهو رحيم، مُتَّصِف بالرحمة، وفاعِل للرحمة، يَعنِي: أنه عَزَّ وَجَلَّ مع كونه رحيمًا فإنه يَرحَم، وهذا الذي قرَّرْته هو ما قرَّره ابنُ القيِّم رَحِمَهُ اللَّهُ في الفَرْق بين الرحمن وبين الرحيم (1) .

وإن كان بعضُ العُلَماء رَحِمَهُم اللَّهُ يُفرِّق بينهما بأن الرحمن ذو الرحمة العامَّة، والرحيم ذو الرحمة الخاصَّة، وَيقول: إنه يَدُلُّ على ذلك قوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} ، لكن المعنى الذي أَشار إليه ابنُ القَيِّم رَحِمَهُ اللَّهُ أَبلَغُ وأَحسَنُ؛ ولهذا جاءت (الرحمن) على وَزْن (فَعْلان) ، وهذا الوزنُ يَدُلُّ غالِبًا على السَّعة والامتِلاء، فهو سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى واسِع الرحمة، وهو سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَرحَم مَن يَشاء، كما قال تعالى: {يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ} .

والبسملة آية من كِتاب اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، تَأتي في مُبتَدَأ كلِّ سورة، إلَّا في سورة (براءَة) ، فإنه ليس فيها بَسْملة، وذَكَر أهل العِلْم رَحِمَهُم اللَّهُ أن سبب سُقوط البَسمَلة في (براءة) أن الصحابة -رضي اللَّه عنهم- أَشْكَلَ عليهم: هل هي من سورة الأَنفال أو هي سُورة مُستَقِلَّة؟ فجعَلوا بينهما فاصِلًا، ولم يَكتُبوا: بسم اللَّه الرحمن الرحيم (2) . وهذا واضِح.

لكن أَوْضَحُ منه أنه لو كانت البَسمَلة قد نزَلَتْ بين سورة الأنفال و (براءة) لم يُمكِن أن تَسقُط؛ لأن اللَّه تعالى يَقول: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ، لكن لمَّا أَشْكَل على الصحابة هل (براءة) مُستَقِلَّة، أو من سورة الأَنفال وضَعوا الفاصِل فقط.

(1) انظر: مدارج السالكين (1/ 56) .

(2) أخرجه الإمام أحمد (1/ 57) ، وأبو داود: كتاب الصلاة، باب من جهر بها -أي البسملة-، رقم (786) ، والترمذي: كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة التوبة، رقم (3086) ، من حديث عثمان بن عفان -رضي اللَّه عنه-.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت