فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 427

وعلى المقابر، سبّ السلف ولعنهم، ونقش ذلك، ولون بالأصباغ والذهب، وعمل ذلك على أبواب الدور، والقياسر [1] وأكره الناس على ذلك [2] .

فكان لعن السنيين تفيض به ألسنة الناس من على المنابر في كافة أنحاء مصر طوال الحكم العبيدي تقريبًا، حتى أن العاضد - آخر الخلفاء العبيديين - كان شديد التشيع، متغاليًا في سبّ الصحابة- رضوان الله عليهم- وإذا رأى سنيًا استحل دمه [3] .

وأشد من ذلك كله أن الحاكم العبيدي قد ادَّعى الألوهية، فأمر الناس أن يقوموا على أقدامهم صفوفًا إذا ذكر الخطيب على المنبر اسمه، إعظامًا لذكره، واحترامًا لاسمه، وقد فُعِل ذلك في سائر ممالكه، حتى في الحرمين الشريفين، وكان قد أمر أهل مصر على الخصوص إذا قاموا عند ذكره خروا سجدًا له، حتى أنه ليسجد بسجودهم من في الأسواق من الرعاع وغيرهم، ممن كان لا يصلي الجمعة، وكانوا يتركون السجود لله في يوم الجمعة وغيره، ويسجدون للحاكم، حتى أن قومًا من الجهال إذا رأوه يقولون له: يا واحدنا يا واحدنا، يا محيي يا مميت.

وأمر السودان أن يحرقوا مصر وينهبوا ما فيها من الأموال، والمتاع، والحريم، فامتثلوا لأمره، وسبوا النساء، وفعلوا فيهن الفاحشة، والمنكرات، وأحرقوا ثلث مصر، ونهبوا نصفها [4] .

فما تقدَّم يعطي فكرة موجزة عن حالة المجتمع في عهد العبيديين، الذي هم أول من ابتدع الاحتفال بالموالد، وسبق وذكرت أن احتفالاتهم تلك ليست نابعة من محبة للرسول صلى الله عليه وسلم وآله؛ لأنَّ من بدر منه ما سبق ذكره آنفًا- وإن ادَّعى محبته- صلى الله عليه وسلم ومحبة آله، فليس صادقًا ولا يعقل أن يصدر منه ذلك.

(1) - القياسر: هي كالخان العظيم تغلق عليها أبواب حديد، وتطيف بها دكاكين وبيوت بعضها على بعض، وهي في الواقع مجموعة من المباني العامة على هيئة رواق، وبها حوانيت، ومصانع، ومخازن، وأحيانًا مساكن. يراجع: تاريخ الدولة الفاطمية ص (620) . وقد ذكرها المقريزي في الخطط بشيء من التفصيل في (2/86-91) .

(2) - يراجع: الخطط المقريزي (2/341) .

(3) - يراجع: وفيات الأعيان (3/110) .

(4) - يراجع: البداية والنهاية (12/ 10، 11) ، والمنتظم (7/298) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت