الأكثرين ليس بحجة [1] ، ولأن العمل بالحديث خاضع لمقاييس نقدية تتناول - كما أوضحنا [2] - المتن قبل السند، المضمون قبل الشكل، والمعنى قبل المبنى.
من أجل هذا لم يكتف المحققون من العلماء بالاحتجاج بما صح سنده من أخبار الآحاد، بل احتجوا أيضًا بالخبر المحتف بالقرائن، وعدوه مفيدًا للعلم [3] ، وجنحوا إلى اعتباره أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر، وإن كانوا قد خصوا هذا المزية «بِمَا لاَ يَنْتَقِدُهُ أَحَدٌ مِنَ الحُفَّاظِ ... ، وَبِمَا لَمْ يَقَعِ التَّجَاذُبُ بَيْنَ مَدْلُولَيْهِ ... ، حَيْثُ لاَ تَرْجِيحَ لاِسْتِحَالَةِ أَنْ يُفِيدَ المُتَنَاقِضَانِ العِلْمَ بِصِدْقِهِمَا مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ لأَحَدِهِمَا عَلَى الآخَرِ» [4] .
فإن يقبل الخبر المحتف بالقرائن، وتكن قرائنه هي التي تقويه، فإن للحسن - ولا سيما الحسن لذاته [5] - من الشبه بالصحيح ما يكاد يدرجه فيه، وما يكاد يُشْرِكُهُ معه في الاحتجاج، وإن كان دونه
(1) قارن بـ"حصول المأمول من علم الأصول" (لصديق حسن خان) : ص 59. مطبعة الجوائب 1296 هـ بالقسطنطينية.
(2) راجع فصل (الحديث بين الشكل والمضمون) من كتابنا هذا: ص 275 - 288.
(3) عبارة ابن حجر في"شرح النخبة": ص 7: «الخَبَرُ المُحْتَفُّ بِالقَرَائِنِ يُفِيدُ العِلْمَ خِلاَفًا لِمَنْ أَبَى ذَلِكَ» .
(4) انظر أيضًا شرح النخبة 7.
(5) خصصنا الحسن لذاته بالذكر، لأن حسنه ذاتي قائم فيه، غير ناشئ عن سبب أجنبي آخر كما في الحسن لغيره عندما يعضد ببعض الشواهد والمتابعات. وراجع ما ذكرناه عن الحديث الحسن ص 156.