خوفًا من أن يتعدى بعضهم على بعض ويقتل بعضهم بعضًا [1] قال:"يظهر فساد هذه الشبهة الشيطانية: بتقرير ثلاثة مقامات، المقام الأول: أن الفساد الواقع في الأرض، من قتل النفوس، ونهب الأموال إنما هو بسبب إضاعة أوامر الله، وارتكاب نواهيه، كما قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ} [الروم: 41] ، قال المفسّرون من السلف (البر) أهل الصمود من البوادي (والبحر) أهل القرى، أخبر تعالى: أن ظهور الفساد في البادية والحاضرة سببه أعمالهم، فلو أنهم عبدوا ربهم، وحكموا بينهم، لصلحت أحوالهم، ونمت أموالهم وأنفسهم كما قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} ". انتهى كلامه رحمه الله، فالحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصالحات.
وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ} [إبراهيم: 24 - 26] .
فشبّه سبحانه الكلمة الطيبة بالشجرة الطيّبة فإن الشجرة الطيبة تثمر الثمر النافع وكذلك الكلمة الطيبة وهي هنا كلمة التوحيد شهادة أن لا إله إلا الله كما رواه ابن جرير عن ابن عباس أنه قال: كلمة طيبة شهادة أن لا إله إلا الله" [2] ، وذكره ابن القيم رحمه الله تعالى عن جمهور المفسّرين [3] ، تثمر الخير العظيم والصالح من العمل فما من مصلحة يرجوها العبد من مصالح الدنيا والآخرة إلا وهي ثمرة لكلمة التوحيد، وفي المقابل فإن الكلمة الخبيثة وهي الشرك والكفر كما قال ابن جرير رحمه الله تعالى وابن كثير (2/ 583) في تفسيره هي أصل كل مفسدة ومضرّة ولا بركة فيها ولا منفعة، وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في بيان أثر كلمة التوحيد"والمقصود أن كلمة التوحيد إذا شهد بها المؤمن عارفًا بمعناها وحقيقتها نفيًا وإثباتًا متصفًا بموجبها قائمًا قلبه
(1) الدرر السنّية 10/ 508.
(2) الطبري 8/ 20.
(3) إعلام الموقعين 1/ 171.