فهرس الكتاب
الدنيا جميعها، وقلّ أن يرى منهم من يحمر وجهه ويتمعّر في الله، ويغضب لحرماته ويبذل عرضه في نصرة دينه، وأصحاب الكبائر أحسن عند الله حالًا من هؤلاء" [1] انتهى ما أردته من كلامه ملخّصًا."
ومنها:- مخالفة ما اتفق عليه أئمة الهدى من أنّ قاعدة الشريعة إنما هي تحصيل أعظم المصلحتين ولو بتفويت أدناهما، ودرء أعظم المفسدتين ولو بارتكاب أدناهما، إذ أن ما يدّعيه هؤلاء من التدرّج في الإنكار يفوت بسببه في الغالب مصالح هي أعظم من المصالح التي سعوا في تحصيلها، والتدرّج في الإنكار إنما يكون بإنكار الأعظم فما الأعظم بحسب ما دلّت عليه أدلّة الشريعة، فإنكار الكفر والشرك مقدم على إنكار الكبائر مثلًا، وإنكار الكبائر مقدّم على إنكار الصغائر من الذنوب، كما أن الإنكار على المصرّ على المعصية مقدّم على غير المصرّ، والإنكار على المجاهر بالمعصية مقدّم على غير المجاهر، وهذا كله كما ذكر أئمّتنا رحمهم الله تعالى إذا حصل التعارض بين المصالح والمفاسد، وإلا فالأصل جلب كل مصلحة ودفع كل مفسدة كما أسلفناه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:"وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة، فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات أو تزاحمت، فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد وتعارضت المصالح والمفاسد، فإن الأمر والنهي وإن كان متضمّنًا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأمورًا به، بل يكون محرّمًا إذا كانت مفسدته أكبر من مصلحته، لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة، فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقلّ أن تعوز النصوص من يكون خبيرًا بها وبدلالتها على الأحكام .." [2] .
فإن قيل: وهو الوجه الثالث:
قد ورد في السنن ما يدلّ على جواز السكوت عن صاحب المنكر لمصلحة التأليف، وهذا البخاري رحمه الله تعالى قد ذكر في صحيحيه تعليقًا ما يدلّ على ذلك فقال: ويذكر عن أبي الدرداء:"إنا لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم"والكشر بالشين المعجمة وفتح أوله: ظهور الأسنان.
(1) السابق 8/ 75.
(2) مجموع الفتاوى 28/ 129.