فهرس الكتاب
وروى البخاري كذلك في صحيحه في كتاب الأدب ومسلم كذلك عن عائشة رضي الله عنها أن رجلًا استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فلما رآه قال: (بئس أخو العشيرة وبئس ابن العشيرة) فلما جلس تطلق النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل قالت عائشة: يا رسول الله، حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه .. ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عائشة، متى عهدتني فحّاشًا، إن شرّ الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شرّه) ، وشبيه به كذلك ما رواه البخاري في صحيحه من حديث المسور بن مخرمة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أهديت له أقبية من ديباج مزرّرة بالذهب، فقسمها في أناس من أصحابه، وعزل منها واحدًا لمخرمة، فلما جاء قال: خبّأت لك هذا، قال أيوب بثوبه أنه يريه إيّاه، وكان في خلقه شيئًا.
فهذه الأحاديث تدلّ على ما ذكرناه من جواز مخالطة أصحاب المنكرات مع تألّفهم وإحسان معاملتهم والتدرّج في الإنكار عليهم .. !
قلنا: أما أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها فعلى الرأس والعين، وأما استدلالكم بهذه الأحاديث على ما ذكرتم فباطل من وجوه:
الأول: أنه ليس في شيء من هذه الأحاديث ذكر لوقوع المنكرات لا في حضرته عليه الصلاة والسلام ولا في غير حضرته حتى يصح الاستدلال بها على ما أردتم.
الثاني: أن القول بذلك يلزم منه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى ذلك ولم ينكره، وهذا باطل بل هو افتراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أمر عليه الصلاة والسلام بالبيان وتبليغ أمته وقد قال له ربه سبحانه: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} .
وفي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت لمسروق لما قال لها: يا أماه هل رأى محمد ربه .. ؟ فقالت: لقد قفّ شعري مما قلت، أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب ... ، وذكرت منها: ومن حدثك أنه كتم فقد كذب، ثم قرأت: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ .. } الآية.