الصفحة 82 من 90

فرسول الله صلى الله عليه وسلم ما ترك شيئًا من الخير إلا وأمر أمته به، ولا شرًّا إلا وحذّرها منه .. !! فأنى يصح القول الذي يهرف به هؤلاء .. ؟ وقد اتفق أئمتنا رحمهم الله تعالى على أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز .. ؟! وزمن النبي صلى الله عليه وسلم كان زمن تشريع وتعليم للأمة وقد وصف الله تعالى نبيّه بأنه يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وهي جملة حالية تقتضي المداومة والاستمرار عليه كما مضى بيانه.

الثالث: أن يُقال إن الذي دلّت هذه الأحاديث على جوازه إنما هو المداراة وإلانة القول بالكلام للناس والانشراح لهم تأليفًا لقلوبهم مع عدم السكوت عن باطلهم ومنكراتهم، وهذا على خلاف صنيع القوم، فإن الذي يقعون فيه إنما هو المداهنة في الدين بالسكوت عن صاحب المنكر والأنس به والبشاشة لحديثه مع ترك الإنكار عليه.

وقد فرّق الأئمة رحمه الله تعالى بين الأمرين فذكروا جواز الأول وتحريم الثاني، وعلى الأول بوّب البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه فقال:"باب المداراة مع الناس"، وقد ورد فيها أحاديث منها عند الطبراني عن جابر مرفوعًا (مداراة الناس صدقة) وكذا حديث آخر عند البزار عن أبي هريرة رضي الله عنه (رأس العقل بعد الإيمان مداراة الناس) ، وهما حديثان ضعيفان كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى.

وحديث أبي هريرة هذا قد روي عن سعيد بن المسيب من قوله كذلك، وأخرجه البيهقي عنه بلفظ (رأس العقل المداراة وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة) ، ومنه حديث (داروا سُفَهَاءَكُمْ) ، قال في (تمييز الطيب من الخبيث) : هو دائر على بعض الألسن بزيادة"بثلث أموالكم"، وقد سُئل عنه الحافظ ابن حجر فلم يتكلم، ولم أقف عليه مرفوعًا وما أشبهه بالموضوع.

وفي مسند الفردوس بلا سند عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعهُ: (داروا النساء تنتفعوا بهن فإنهن لا يستوين لكم أبدًا) ، وقال في كشف الخفاء: ويقرب منه ما اشتهر على الألسنة مما ليس بحديث"المداراة عن العرض حسنة"، ومنها"دارهم ما دمت في دارهم"، قال السخاوي في المقاصد: ما علمته، وقال في كشف الخفاء عن شيخ مشايخه نجم الدين الغزّي: ليس بحديث وإنما هو شعر وتمامه"وأرضهم ما دمت في أرضهم" [1] .

(1) انظر كشف الخفا ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس ص 399، وكذا المقاصد الحسنة ص 211.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت