فهرس الكتاب
فهذا كله في المداراة الجائزة لا المداهنة المحرّمة، قال القرطبي رحمه الله تعالى: وقال عياض: والفرق بين المداراة والمداهنة أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معًا، وهي مباحة، وربما استحبت، والمداهنة ترك الدين لصلاح الدنيا، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما بذل له من دنياه حسن عشرته والرفق في مكالمته، ومع ذلك لم يمدحه بقول، فلم يناقض قوله فيه فعله، فإن قوله فيه قول حقّ، وفعله معه حسن عشرة فيزول مع هذا التقرير الإشكال بحمد الله تعالى [1] .
وقال الحافظ رحمه الله تعالى: وهذا الحديث أصل في المداراة. انتهى.
وقال ابن بطال:"المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس ولين الكلمة وترك الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة، وظنّ بعضهم أن المداراة هي المداهنة فغلط، لأن المداراة مندوب إليها والمداهنة محرّمة، والفرق أن المداهنة من الدهان وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه، وفسّرها العلماء بأنها معاشرة الفاسق وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه، والمداراة هي الرفق بالجاهل في التعليم، وبالفاسق في النهي عن فعله، وترك الإغلاظ عليه حيث لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولا سيما إذا احتيج إلى تألّفه ونحو ذلك" [2] .
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن رحمه الله تعالى:"وأما الفرق بين المداراة والمداهنة، فالمداهنة: ترك ما يجب لله من الغيرة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتغافل عن ذلك، لغرض دنيوي، وهوى نفساني كما في حديث: إن من كان قبلكم كانوا إذا فعلت فيهم الخطيئة، أنكروها ظاهرًا، ثم أصبحوا من الغد يجالسون أهلها، ويواكلونهم ويشاربونهم، وكأن لم يفعلوا شيئًا بالأمس .. فالاستئناس والمعاشرة مع القدرة على الإنكار هي المداهنة."
وثمود لو لم يدهنوا في ربهم ... لم تَدْمَ ناقتهم بسيف غدار
(1) نقله الحافظ عنه في الفتح 10/ 454.
(2) فتح الباري/ شرح كتاب الأدب/ باب المداراة مع الناس 527.