فهرس الكتاب
أما المداراة، فهي: درء الشر المفسد بالقول اللين، وترك الغلظة، أو الإعراض عنه إذا خيف شره، أو حصل منه أكبر مما هو ملابس .. انتهى [1] .
وقال النووي رحمه الله تعالى:"ولا يتاركه (يعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) أيضًا لصداقته ومودته ومداهنته وطلب الوجاهة عنده ودوام المنزلة لديه، فإن صداقته ومودته توجب له حرمة وحقًا ومن حقه أن ينصحه ويهديه إلى مصالح آخرته وينقذه من مضارها، وصديق الإنسان ومحبه هو من سعى في عمارة آخرته وإن أدّى ذلك إلى نقص في دنياه، وإنما كان إبليس عدوًّا لنا لهذا وكانت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أولياء للمؤمنين لسعيهم في مصالح آخرتهم وهدايتهم إليها". [2]
هذا وقد سمعت من بعضهم استدلالًا باردًا حول تجويز ما ذهبوا إليه من السكوت على أصحاب المنكرات ومودّتهم دون الإنكار عليهم وهو:
الوجه الرابع:
ومحصله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل الحرم وفيه ثلاثمائة وستون صنمًا، وقد ذكر الأئمة رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ... } أن معنى ذلك عند أقوام أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اعتمر عمرة القضية تخوف أقوام كانوا يطوفون بهما في الجاهلية قبل الإسلام لصنمين كانا عليهما تعظيمًا منهم لهما وقالوا: كيف نطوف بهما، وقد علمنا أن تعظيم الأصنام وجميع ما كان يعبد من ذلك من دون الله شرك، ففي طوافنا بهذين الحجرين ... ذلك، فأنزل الله هذه الآية الدالة على رفع الحرج عنهم، ومعناها: فمن حج البيت أو اعتمر فلا يتخوفن من الطواف بهما من أجل ما كان أهل الجاهلية يطوفون بهما من أجل الأصنام الموجودة حولها، فدلّ ذلك على جواز ما ذكرناه من السكوت على صاحب المنكر تأليفًا له مع القدرة على اجتنابه وترك مخالطته.
والجواب عنه:
(1) الدرر السنية 8/ 71
(2) النووي على مسلم 1/ 2/24.