الصفحة 85 من 90

أوّلًا: أننا لا نسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد طافوا بالبيت دون أن يسبق إنكارهم على كفار قريش ذلك بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بعث إلا بهذا، وكان عليه الصلاة والسلام يعيب آلهتهم ويسفه أحلامهم، وقد حكى الله عز وجل عنهم قولهم: {أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ .. } وكان يعرف بينهم بالصابئ وكذا أصحابه، وما كانت عداوتهم له إلا لأجل ما كان يعيب عليهم من ذلك، وكان ذلك مستفيضًا بينهم معلومًا عندهم، فإنه أصل الدين الذي جاء به وعماده كما قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} فدلَّ كلُّ ما ذكرناه على أن الإنكار كان حاصلًا ولا بد.

الأمر الثاني: أنه تقرّر عند الأئمة رحمهم الله أن النهي على مراتب متفاوتة دلّ عليها حديث أبي سعيد المتقّدم، وهو موافق لقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} ، وإنما يؤاخذ المرء بما قدر على إنكاره من المنكر ولم ينه عنه، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى في شرح الحديث المذكور:"هذا الحديث أصل في صفة التغيير، فحق المغير أن يغيره بكل وجه أمكنه زواله به قولًا كان أو فعلًا .. فيكسّر آلات الطرب ويريق المسكر بنفسه أو يأمر من يفعله، وينزع الغُصُوبَ ويردّها إلى أصحابها بنفسه أو يأمر إذا أمكنه". [1]

وقال حافظ المغرب أبو عمر بن عبد البر رحمه الله تعالى:"وقد لزم النهي عن المنكر كل مستطيع بقوله عزّ وجلّ: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ} ومن مكّن في الأرض لم يضعف عن ذلك، ومن ضعف لزمه التغيير بقلبه، فإن لم يغير بقلبه فقد رضي وتابع". [2]

وقال الإمام الجليل أبو محمد علي بن حزم رحمه الله:"وكل فرض كلفه الله تعالى الإنسان فإن قدر عليه لزمه، وإن عجز عن جميعه سقط عنه، وإن قوي على بعضه وعجز عن بعضه سقط عنه ما عجز عنه ولزمه ما قدر عليه منه، سواء أقله أو أكثره، برهان ذلك قول الله عز وجل {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} ، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" [3] .

(1) السابق 1/ 2/25.

(2) التمهيد 24/ 311.

(3) المحلى 1/ 87.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت