فهرس الكتاب
والحاصل أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد طافوا بالبيت والإنكار منهم واقع على قدر الاستطاعة، لم يجب عليهم إزالته باليد لعدم القدرة عليه حينئذ، ولذا لما مكّن الله عز وجل له فتح مكة وأظهره على المشركين كسّر أصنامهم وأزالها ولم يبق منها شيئًا، ولله الحمد.
والأمر الثالث: أن الحق لا يترك لأجل الباطل خاصة مع العجز عن إزالته، ولذا لما سُئل بعض أئمة المالكية رحمهم الله عن الخروج لصلاة الجماعة وزيارة الإخوان مع كثرة المنكرات وكون الخارج يغلب على ظنه أنه لا يسلم من رؤية المنكر لكثرته، أجاب: بأن الزيارة والخروج لصلاة الجماعة لا يتركان لأجل ذلك لما يشاهد من المنكر .. إذ لا يترك الحق لأجل الباطل، فإن قدر على إنكار شيء في خروجه بيده أو لسانه فعل وحصل على أجر زائد على أجر الصلاة والزيارة، وإن عجز عن ذلك كان مأجورًا على كراهية ذلك بقلبه، وكذلك الغزو مع الفجرة إن قدر على إنكار فجورهم أنكر وحصل على ثواب الإنكار وأثيب على كراهية ذلك لأنه إنما تركه تعظيمًا لحرمات الله عز وجل، ولو تُرك الحق لأجل الباطل لترك الناس كثيرًا من أديانهم [1] .
فإن قيل فهل تطرد قاعدة الإنكار هذه أم تتخلّف في بعض الصور .. ؟
قلنا: الأصل الإطراد فالواجب على من رأى منكرًا إزالته بيده أولًا فإن لم يقدر على ذلك غيّره بلسانه .. وهكذا، إلا أن الأئمة رحمهم الله تعالى قد ذكروا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا بد فيه من مراعاة قواعد المصالح والمفاسد في الشريعة والتي تنبني عليها أحكامها، وهي احتمال أدنى المفسدتين لتفويت أعلاهما وتفويت أدنى المصلحتين تحصيلًا لأعلاهما .. وهنا أحوال عدّة:
الأوّل:- أن يكون المنكر المقصود إزالته مما لا يفوت بإزالته شيء من المصالح ولا يترتب على إزالته شيء من المفاسد فهذا يجب إنكاره.
الثاني:- أن يترتب على إزالة المنكر الوقوع في منكر آخر لكن دون الأوّل المقصود إزالته، فالواجب كذلك هنا إزالة الأوّل وإن أدّى إلى الوقوع في الثاني، دفعًا لأعظم المفسدتين بارتكاب أدناهما.
(1) المعيار المعرب والجامع للونشريسي 12/ 356.