فهرس الكتاب
الناس فرحًا بهؤلاء الآمرين الناهين ولكان أقل أحوالهم الرضا بما قاموا به والدعاء لهم بالنصر والتوفيق كما قال الإمام أبو العز الحنفي رحمه الله تعالى في شرح العقيدة الطحاوية في الكلام على الاجتهاد فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم علمًا وعملًا:"وإن كان العبد عاجزًا عن معرفة بعض ذلك أو العمل به، فلا ينهى عما عجز عنه مما جاء به الرسول، بل حسبه أن يسقط عنه اللوم لعجزه، لكن عليه أن يفرح بقيام غيره به، ويرضى بذلك، ويودّ أن يكون قائمًا به" [1] .
ثم هنا جملة من التنبيهات:
التنبيه الأول: أن الأمر والنهي لا بد له من جملة من الأمور في القائم به.
الأول: أن يقصد بما ينكره وجه الله تعالى، وليحذر من التهاون فيما يقدر على تغييره وإنكاره فإن النفس أمّارة بالسوء وربما دفعته إلى استمراء شيء مما يراه من المنكر، ولذا قال ربنا تبارك وتعالى في شأن جلد الزناة: {وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} [النور: 2] ، والمرء متى صدق فيما يقوم به من الأمر والنهي كان ذلك حافظًا له من الوقوع في مثله، وقد ذكر ابن تيمية رحمه الله للناس في هذا المقام ثلاث مراتب:
فأولاهن: قوم لا يقومون إلا في أهواء نفوسهم، فلا يرضون إلا بما يعطونه، ولا يغضبون إلا لما يحرمونه، فإذا أعطي أحدهم ما يشتهيه من الشهوات الحرام والحلال زال غضبه وحصل رضاه وصار الأمر الذي كان عنده منكرًا ينهى عنه ويعاقب عليه، ويذم صاحبه ويغضب عليه، مرضيا عنده، وصار فاعلًا له شريكًا فيه، ومعاونًا عليه ومعاديًا لمن نهى عنه وينكر عليه.
قلت: وقد رأينا في زماننا هذا أمثال هؤلاء بل شرًا منهم، وإلى الله وحده الشكاية وبثّ الهموم والأحزان، فإن قومًا قد ابتلينا بهم -وشر البلية أمثالهم- لا دين لهم ولا مبدأ إلا مصالح أنفسهم والسعي وراء رغباتهم فهم كل يوم في واد، ما ينكرونه اليوم يصير معروفًا عندهم في الغد، والمعروف اليوم يصير في غدهم منكرًا، لا يستقر لهم قرار، ولا يهدأ لهم مع تكاليف الحق بال، شأنهم كما قيل:
يوما بِحُزْوى ويوما بالعقيق ويو ... ما بالعُذَيْبِ ويوما بالخُليْصاء
(1) شرح الطحاوية.