وذهب الشافعي وطائفة من العلماء إلى وجوب الكفارة عليه، لعموم قوله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة:89] .
ولعل الجمع بين التوبة والكفارة أسلم، إعمالًا للنصوص كلها، وخروجًا من خلاف أهل العلم، ولأن موجب التوبة والكفارة قائم، فلا يغني أحدهما عن الآخر. والله أعلم.
أما بالنسبة للحلف على الكذب فقد رخص فيه فيما إذا ترتبت عليه مصلحة شرعية من جلب نفع، أو دفع ضر، لا تتحقق بدون الكذب، بل إنه في بعض الحالات قد يجب، نظرًا لأهمية الأمر المقصود منه، فإذا كان المقصود منه أمر واجبًا: كحماية نفس المسلم أو ماله وجب، وإن كان المقصود منه الوصول إلى حق مباح كان مباحًا، حيث لم يمكن الوصول إليه إلا به.
مثال ذلك: ما لو اختفى بريء من ظالم يريد قتله أو أخذ ماله، وسأل الظالم عن المظلوم، أو عن ماله، ففي هذه الحالة يجب الكذب المؤدي إلى إخفاء المظلوم، وتضليل الظالم عن مكانه، أو مكان ماله ... ولكن الأحوط أن يستعمل الإنسان في الحالات التي يشرع فيها الكذب ما يسمى بالتورية، وهي أن يقصد بعبارته معنى صحيحًا ليس المتكلم كاذبًا بالنسبة إلى ذلك المعنى، وإن كان كاذبًا بالنسبة لظاهر اللفظ ولفهم المخاطب، ولا يلجأ إلى الكذب مع إمكانها، والدليل على جواز الكذب في هذه الحال ماجاء عنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ أُمَّهُ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ، اللَّاتِي بَايَعْنَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم -،أَخْبَرَتْهُ، أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،وَهُوَ يَقُولُ: «لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَيَقُولُ خَيْرًا وَيَنْمِي خَيْرًا» قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَمْ أَسْمَعْ يُرَخَّصُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ كَذِبٌ إِلَّا فِي