وثبت في السنة الشريفة أن عدي بن حاتم [1] - رضي الله عنه - قال: أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي عنقي صليب من ذهب، فقال لي: (( اطرح هذا الوثن من عنقك ) )، قال: فطرحته. قال: وانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة، وقرأ هذه الآية: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله} [2] . قال: فقلت: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم. قال: (( أليس يحرمون ما أحل الله، فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتستحلونه ) )؟ قال: قلت: بلى. قال: (( فتلك عبادتهم ) ) [3] .
هذا وإن مما يؤلم القلوب، ويقطع الظهور هذا الخلاف الواقع بين كثير من المنتسبين للإسلام، حين غرهم الشيطان، وضحك عليهم، فزين لهم الاقتتال فيما بينهم بحرب كلامية، لا تزيدهم إلا تباغضًا وحقدًا، وأشغلهم عن النظر في أمور المسلمين، فلم تؤلمهم دماء الأبرياء من المسلمين، التي تنزف تحت براثن القهر الكافر، ولم تقض مضاجعهم أعراض المسلمين التي تنتهك تحت وطأة المجرمين، ولم يوجع قلوبهم تفشي الجهل في كثير من المنتسبين إلى الإسلام!
أقول: هذا الخلاف الواقع بين أولئك قد علا سهمه، وراج سوقه، ونفقت بضاعته، رغم أنه خلاف في مسائل اجتهادية، يعذر المخالف فيها [4] .
ولقد وُجِد في زماننا هذا أناس قد غرهم الشيطان، وزين لهم أعمالهم، فهم يعمهون!
(1) هو عدي بن حاتم بن عبدالله الحشرج الطائي، أسلم في سنة تسع أو عشر من الهجرة، وكان نصرانيًا قبل ذلك، وثبت على إسلامه في الردة، وشهد فتح العراق، ثم سكن الكوفة، وأثر عنه أنه قال: ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء، توفي سنة 68هـ، قيل وهو ابن مائة وعشرين سنة.
(2) التوبة: (31) .
(3) رواه الترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة التوبة، (5/ 278) برقم (3095) . وحسنه الألباني كما في صحيح سنن الترمذي (3/ 56) برقم (3306) .
(4) قد تقدمت نُبذ من كلام السلف، تبين أن الخلاف في المسائل الاجتهادية لا يجوز أن يؤدي إلى الخصام، ونشوء الأحقاد.