أناس سموا أنفسهم بالسلفيين، ورموا غيرهم بالابتداع، ووصفوهم بالأوصاف السيئة، والخصال الشنيعة، ممن لا يصدق عليهم هذا الوصف مطلقًا، فنشأت عن ذلك حزبية ممقوتة، وتصعب مذموم، لا تزال آثارها الموجعة، تعصف بأبناء الأمة إلى وقتنا هذا!
وكان مما آلمني وأثار أشجاني وآلامي أنني قابلت أحد السالكين لهذا المسلك المشين، فحدثني، وحدثته، ولم أكن أعرف سلوكه هذا إلا بعد أن أنكر عليَّ أني أحمل بين يدي كتابًا لداعية من أكبر دعاة الإسلام في هذا العصر [1] ، وكأنه مبتدع من أكبر مبتدعي هذا الزمان، ولم يكن إنكاره عليَّ لشيء إلا لأن شيوخه الذين يتسمون بالسلفيين لا يحبونه، ولا يقرأون له، يفعل ذلك رغم أن السَّلف حذَّروا من محاكاة الرجال في اعتقاداتهم وأقوالهم، وإن كانوا مشهورين [2] .
ولابد من الإشارة هنا إلى أنه وإن وردت كلمة (السلفية) في الآثار إلا أنها إذا استخدمت للتحزب والتعصب إلى فريق معين فإنها تكون ممقوتة في الشرع، فقد جاء في السيرة في أحد مغازي النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه اقتتل غلامان: غلام من المهاجرين، وغلام من الأنصار، فنادى المهاجر: يا لَلمهاجرين، ونادى الأنصاري: يا لَلأنصاري، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (( ما هذا، دعوى أهل الجاهلية؟! دعوها فإنها منتنة ) ) [3] ، مع أن هذين الاسمين (المهاجرين والأنصار) جاء بهما القرآن، وهما محبوبان لله - تعالى - ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - ولمَّا استخدما لنوع من العصبية صار ذلك من فعل الجاهلية، وأخبر - عليه الصلاة والسلام - أن هذه الدعوى منتنة؛ لأنها تدعو إلى التفرق والتفكك [4] .
(1) هو الأستاذ محمد قطب - ثبته الله -، والكتاب هو: (العلمانيون والإسلام) .
(2) انظر (أدب الدنيا والدين) للماوردي، ص78. و (موقف المسلم من الخلاف) للشيخ عبدالرحمن البراك، ص29.
(3) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا (4/ 1998) برقم (2584) من حديث جابر - رضي الله عنه -.
(4) (الهوى وأثره في الخلاف) للأستاذ عبدالله الغنيمان، ص19.