الصفحة 16 من 76

وقريب من هذا ما حصل لابن عباس - رضي الله عنهما - حسن سُئل: أأنت على ملة عليّ، أو على ملة عثمان؟ فقال: لستُ على ملة علي ولا على ملة عثمان، بل أنا على ملة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [1] .

ولقد كان من آثار ذلك التحزب الممقوت أنه نشأ فئام من الناس، غَلَوا في طائفة من العلماء، وأعرضوا بكليتهم عن جمع من العلماء والدعاة والمصلحين، من أولئك الرجال الذين يستنار بأقوالهم، ويستفاد من فهومهم، وما ذاك إلا من تلبيس الشيطان عليهم، ثم إن شيوخ هؤلاء لو كانوا عقلاء حقًا لأنكروا عليهم هذا الفعل الذميم، كما كان السلف يفعلون ذلك، فهذا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول على المنبر: (( إذا أصبت فأعينوني، وإذا أخطأت فقوموني ) ). فقاله له رجل من بين الناس: (( إذا أخطأت قومناك بسيوفنا ) )! يقول عمر ما قال، ويرضى بالرد، لأنه لا يرضى بتعبيد الناس للناس، ومصادرة عقولهم، وتغييبها عن الساحة، بل يطالبهم بالمشاركة، والناس لا يرضون بالتبعية والعجز، وهكذا تبنى الأمم.

وإن من المؤسف جدًا أنه بلغ من جراء ذلك التحزب لطائفة معينة أن بعضهم قد ضحك الشيطان عليهم، فتركوا الاشتغال بعيوب أنفسهم، وصار همهم الأوحد، وشغلهم الشاغل أن ينصبوا شباكهم لرجال من علماء الإسلام ودعاته، قد سخروا جهودهم وطاقاتهم لخدمة الإسلام وأهله، فأخذ هؤلاء يرمونهم بأبشع الألفاظ، وأخس الأفعال، بل لقد بلغ بهم الخذلان من الله - تعالى - أنهم أخذوا يطلقون لفظ (الكفر) على هؤلاء العلماء والدعاة - عياذًا بالله تعالى -.

وهذا والله من أعظم البلاء الذي أصيب به بعض الناس في هذا العصر، وإنَّ رمي الإنسان بالكفر وهو منه براء جرم عظيم، وخطر كبير، ذلك لأن من رمى أحدًا بالكفر

(1) (الإبانة) لابن بطة، الحديث رقم (238) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت