الصفحة 22 من 76

وإذا ألغينا هذا المبدأ الحق فإن دين الله - عزّ وجل - يفقد حقّه في أن يزيل العقبات المادية عن طريق الدعوة، ويفقد كذلك جديته وواقعه في مواجهة الواقع البشري بوسائل مكافئة له في مراحل متعددة، بوسائل متجددة، ويصبح عليه أن يواجه القوى المادية بالدعوة العقيدية، وهو هزال لا يرضاه الله - تعالى - لدينه في هذه الأرض.

وإن مما يؤكد هذه الحقيقة - أعني حقيقة أن القتال في الإسلام ليس دفاعًا فقط - أنه لم يكن أحد من الصحابة والسلف الكرام يُسأل عما أخرجه للجهاد فيقول: خرجنا ندافع عن وطننا المهدد، أو نَصُدُّ عدوان الفرس أو الروم علينا نحن المسلمين، أو خرجنا نوسِّع رقعتنا، ونستكثر من الغنيمة، لقد كانت قولتهم في هذا هي قولة ربعي بن عامر [1] - رضي الله عنه - لما سُئل عما جاء به ومن معه قبل أن يدخلوا معركة القادسية [2] ، قال: (( الله جاء بنا، وهو بعثنا لنخرج من يشاء من عباده من ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل منا قبلنا منه، ورجعنا عنه، وتركناه وأرضه دوننا، ومن أبى قاتلناه حتى نفضي إلى الجنة أو الظفر ) ) [3] .

وهاهي الآيات القرآنية تتوالى في تقرير ما تقدم من الهدف من قتال الكفار، وأنه خشية الفتن والمحن التي تلحق بالمؤمنين بسبب الكفار لو تُركوا من غير قتال، يقول سبحانه:

(1) هو ربعي بن عامر بن خالد بن عمرو، كان من أشراف العرب، وله ذكر في غزوة نهاوند، وَوَلاَّه الأحنف لما فتح خراسان على طخارستان، وكان ممن أمدّ به عمر بن الخطاب المثنى بن حارثة في فتح العراق. انظر ترجمته في (الإصابة) (1/ 503) .

(2) القادسية: قرية قرب الكوفة من جهة البر، وعندها كانت الوقعة العظيمة بين المسلمين والفرس، قُتل فيها أهل الفرس، وفُتحت بلادهم على المسلمين. انظر (مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع) (3/ 1054) .

(3) (الكامل في التاريخ) ، لابن الأثير (2/ 320) ، وفي كلام ربعي - رضي الله عنه - رد واضح على أولئك السفلة من المستشرقين والمبشرين الذين يهاجمون الإسلام ودعاته المجاهدين، ويصفونهم بأنهم سفاكون، مصاصو دماء، يقولون ذلك كذبًا ودجلًا ليميتوا فريضة الجهاد في نفوس المسلمين، ويتناسون ما فعله التتار والصليبيون في بلاد المسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت