وفي الحديث الآخر: (( ويل للعرب من شر قد اقترب، فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا، ويمسي كافرًا، يبيع قوم دينهم بعرض من الدنيا قليل، المتمسك يومئذٍ بدينه كالقابض على الجمر، أو قال: على الشوك ) ) [1] .
ومعنى الحديث: (( كما أنه لا يمكن القبض على الجمرة إلا بصبر شديد، وتحمل غلبة المشقة، كذلك في ذلك الزمان لا يُتصور حفظ دينه، ونور إيمانه إلا بصبر شديد عظيم، وتعب جسيم ) ) [2] .
ومن المعاصي الفاتنة التي يجب مواجهتها بالصبر ما يكون ميسرًا فعله كمعاصي للسان من الغيبة والنميمة، والكذب، والمراء ونحوها، فإن الصبر على مثل هذه المعاصي أثقل، وقد يرى الإنسان يلبس حريرًا فيستنكر ذلك، ويغتاب أكثر نهاره، فلا يستنكر ذلك، فأي فتنة أعظم من هذه الفتنة، وأي صبر أعظم من الصبر عن مثلها [3] .
هذا فضلًا عن المعاصي الأخرى التي عمت وطمت هنا وهناك [4] ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ومن الفتن التي لابد للإنسان أن يقف أمامها بسلاح الصبر فتنة الدنيا وزينتها، تلك الفتنة التي إذا أقبلت على الإنسان أخذت بمجامع قلبه ونفسه، ولم يسلم منها إلا منتبه متيقظ. إنها الفتنة بالسراء لا بالضراء، وبالمغنى لا بالفقر، وقد قال سبحانه:
(1) أخرجه أحمد في المسند (2/ 390) ، من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - وفي إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف، لكنه أعني الحديث يصلح أن يكون شاهدًا للحديث الذي قبله.
(2) (من وسائل دفع الغربة) للشيخ سلمان العودة، ص217.
(3) انظر (مختصر منهاج القاصدين) لابن قدامة، ص271.
(4) للأستاذ محمد بن صالح المنجد كتاب قيم بعنوان (محرمات استهان بها كثير من الناس) يحسن بكل واحد الاطلاع عليه.