الصفحة 39 من 76

وهذا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الذي ذل له شيطانه، فما يستطيع أن يسلك طريقًا يسلكه عمر، وهذا الإمام العادل مع فتوحاته المظفرة، وانتصاراته العجيبة، وعدله الذي اعترفت به العرب والعجم، رغم هذا كله لم يتطرق الغرور إلى قلبه طرفة، ولم يقترب من نفسه مرة واحدة، حتى إنه لمَّا طُعن قال لابنه عبدالله كلامًا، ستظل الأجيال تردده مهما طال الزمان، قال لابنه عبدالله، وكان رأسه على فخذ هذا الابن البار: ضَعْ رأسي على الأرض. قال عبدالله: فقلت: وما عليك، كان على فخذي أم على الأرض؟ قال: ضَعْه على الأرض. قال: فوضعته على الأرض، فقال عمر: ويلي، وويل أمي إن لم يرحمني ربي [1] .

وانظر معي إلى حال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ذلك العَلَم الرباني المجاهد، الذي بلغ علمه الآفاق، وانتشرت كتبه في كل مكان، ولم يسمع به كثير من المؤمنين في عصره والعصر الذي بعده إلى اليوم، إلا انتفع به، وشهد له بالخير، هذا الإمام الذي اعترف بعلمه القاصي والداني كان يقول كثيرًا: (( مالي شيء، ولا مني شيء، ولا فيَّ شيء ) ). وكان كثيرًا ما يتمثل بهذا البيت:

أنا المكدي وابن المكدي ... وهكذا كان أبي وجدي [2]

وكان إذا أُثني عليه في وجهه يقول: (( والله إني إلى الآن أجدِّد إسلامي، وما أسلمت بعدُ إسلامًا جيدًا ) ) [3] .

إنها أعمال جليلة، وصور مشرقة من أحوال سلفنا الكرام، تعطي الدعاة إلى الله - تعالى - زادًا يحملونه في مسيرتهم الطويلة أن لا يغتروا بأعمالهم مهما بلغت، وأن

(1) (حلية الأولياء) لأبي نعيم (1/ 52) .

(2) (مدارج السالكين) لابن القيم (1/ 562) .

(3) المرجع السابق، الصفحة نفسها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت