لا يزالون يندسون في صفوف الأمة، ويثيرون الفتنة بإشاعات يختلقونها، يوغرون الصدور بها، ويصدعون الصفوف، وربما تزيوا بزي الصالحين، بل وربما شاركوا في الأعمال الصالحة الظاهرة كالصلاة، كما كان المنافقون، ومآربهم الأصلية، وربما شاركهم في أعمالهم أصحاب المطامع الأرضية الذين يتخذون النميمة سلعة يتأكلون بها [1] .
نعم إنَّ من تأمل أحوال المنافقين، ومن نحا نحوهم وجدهم أشد الناس نشرًا للشائعات، كل ذلك ليتهموا البريء بما ليس فيه، ويزرعوا الخوف والذعر في صفوف المسلمين، ثم ينشروا بمثل هذين الفعلين الآثمين الخصومة والبغضاء بين الأفراد الجماعات، فتتفكك بذلك وحدة الأمة، وتضعف معنويات أفرادها، وتتعرض سلامتها لأكبر الأخطار.
ولعلي أبرز هذين الأمرين بشيء من التفصيل؛ نظرًا لأهميتهما:
1 -اتهام البريء بما ليس فيه:
إن اتهام البريء بما ليس فيه، واختلاق الأكاذيب، وتلفيق الاتهامات ضد المؤمنين الصادقين سمة من سمات المنافقين الخييثة، وعلامة من علامامتهم المنكرة، وهل ينسى المسلم ما فعله المنافقون في زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم - حين اتهمت الطغمة الفاجرة من المنافقين عرض أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها -، ذلك العرض الذي ما عرف غير الطهر والعفاف، فأشاع المنافقون هذه الفرية، ولفقوا هذه التهمة ليزعزعوا كيان الأمة، ويصدعوا صفوفها، حتى تأثر بإشاعاتهم الخبيثة من تأثر، فينزل القرآن محذِّرًا من تصديق هذه الفرية الظالمة، والإشاعة الآثمة:
إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينًا وهو عند الله عظيم. لولا إذ سمعتموه ضن قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا
(1) (مسؤولية الكلمة) للأستاذ عبدالله بن وكيل الشيخ، ص52،53.