ومن ثم لا ينبغي ألا يخالجنا الشك في أن ما وقع مرة في مثل هذه الظروف لابد أن يقع.
ولا يجوز أن يتطرق إلى قلوبنا الشك بسبب ما نراه من حولنا، من الضربات الوحشية التي تكال لطلائع الجيل المسلم العائد إلى الله - تعالى - في كل مكان، ولا بسبب ما نراه كذلك من ضخامة الأسس التي تقوم عليها الحضارة المادية .. إن الذي يفصل في الأمر ليس هو ضخامة الباطل، وليس هو قوة الضربات التي تكال للإسلام، إنما الذي يفصل في الأمر هو قوة الحق، ومدى الصمود للضربات )) [1] .
نعم إن الإسلام أضخم حقيقة، وأصلب عودًا، وأعمق جذورًا من أن تفلح في معالجته الجهود، كلُّ الجهود، ولا هذه الضربات الوحشية التي تكال للمسلمين في كثير من بلاد الإسلام، لأن المستقبل لهذا الدين، وهذا الدين له دوره الكبير في هذه الأرض هو مدعو لأدائه، أراد أعداؤه أم لم يريدوا، وإن عنصر القوة كامن في طبيعته، كامن في بساطته ووضوحه وشموله، وملاءمته للفطرة البشرية، وتلبيته لحاجاتها الحقيقية، كامن في الاستعلاء عن العبودية للعباد بالعبودية لله رب العباد، وفي رفض التلقي إلا منه، ورفض الخضوع إلا له من دون العالمين، كامن كذلك في الاستعلاء بأهله على الملابسات العارضة، كالوقوع تحت سلطان المتسلطين. فهذا السلطان يظل خارج نطاق الضمير مهما اشتدت وطأته، ومن ثم لا تقع الهزيمة الروحية طالما عمر الإسلامُ القلب والضمير، وإن وقعت الهزيمة الظاهرية في بعض الأحايين.
ومن أجل هذه الخصائص في الإسلام يحاربه أعداؤه هذه الحرب الماكرة، لأنه يقف لهم في الطريق، يعوقهم عن أهدافهم الاستعمارية الاستغلالية، كما يعوقعهم عن الطغيان والتأله في الأرض كما يريدون!
ومن أجل هذه الخصائص يطلقون عليه حملات القمع والإبادة، كما يطلقون عليه
(1) (المستقبل لهذا الدين) تأليف الأستاذ سيد قطب، ص116،117.