الصفحة 9 من 76

على سبيل المثال هذه القصة التي كانت من عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - فإن عثمان - رضي الله عنه - لمّا أتم صلاة الظهر والعصر بمنى أربعًا قال عبدالله: لركعتان متقبلتان أحب إليّ من أربع، ولكني أكره الخلاف في الدين، وصلّى مع الخليفة أربعًا مع أن له مستندًا من سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولم يؤدِ الاختلاف بين الصحابيين إلى شقاق أو بغضاء [1] .

ثم تأمل كذلك هذه الحادثة التي وقعت للإمام الشافعي - رحمه الله - فإنه لقي يومًا يونس الصدفي [2] - رحمه الله - فناظره في مسألة، فافترقا، ثم لقيه بعد ذلك، فأخذ بيده، وجعل يقول: ألا يستقيم أن نكون إخوانًا، وإن لم نتفق في مسألة [3] .

هذا وإن مما ابتليت به أمتنا اليوم ذلك التعصب الممقوت لأشخاص معينين، ومعاداة آخين رغم أنهم من حملة الإسلام، ودعاة القرآن، وإن هذا لنذير هلاك إن لم ننتبه لذلك، ونتدارك أنفسنا بالتآلف فيما بيننا، وترك التحاسد والتباغض، فلقد حذّر سلفنا الكرام من هذا الفعل الذميم، والجرم الشنيع؛ كل ذلك لما يترتب عليه من نتائج فاسدة، وعواقب وخيمة.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله: (( وليس لأحد أن ينصب للأمة شخصًا يدعو إلى طريقته، ويوالي، ويعادي عليها، غير النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا ينصب لهم كلامًا يوالي عليه ويعادي غير كلام الله ورسوله، وما اجتمعت عليه الأمة، بل هذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصًا أو كلامًا يفرقون به بين الأمة، يوالون به على ذلك

(1) انظر (مراجعات في فقه الواقع السياسي والفكري) إعداد وحوار الأستاذ عبدالله الرفاعي، ص89.

(2) هو يونس بن عبدالأعلى بن ميسرة بن حفص بن حيان الصدفي المصري، المقرئ الحافظ، كان من كبار العلماء في زمانه، وكان ذا عقل وحفظ، مقدمًا في العلم والخير والثقة حتى قال عنه يحيى بن حسان التِّنِّيسي: يونسكم هذا ركن من أركان الإسلام، توفي غداة يوم الاثنين سنة 264هـ.

انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء (12/ 348) . وتهذيب التهذيب (6/ 278) .

(3) سير أعلام النبلاء (10/ 16) . وانظر (فقه التعامل مع المخالف) للأستاذ عبدالله الطريقي، ص51 وما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت