والقول الثاني: وهو مذهب الجمهور قالوا: لا يجبر الجار على ذلك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه) (11) . وما في معناه من الأحاديث؛ ولأنه انتفاع بملك الغير من غير ضرورة فلم يجز من غير إذنه، كزراعة أرضه أو البناء فيها، وحملوا الحديث على الاستحباب ومنهم من تأوله (12) .
والصحيح - والله أعلم - هو القول الأول للخبر؛ ولأنه انتفاع لا يضر كالاستظلال به أو الاستناد إليه، ويفرق بينه وبين الزرع والبناء بأن الزرع والبناء يضر ولم تدع الحاجة إليه.
الوجه الثاني من وجوه الانتفاع تمديد مجاري المياه أو أسلاك الكهرباء ونحوها على جدار الجار، فإن كان ذلك مما يضر بالجدار فلا يجوز بغير إذن صاحبه، وإن لم يكن في إمرار ذلك ضرر وامتنع مالك الجدار فهل يجبر على ذلك أم لا؟
نص الفقهاء رحمهم الله في مسألة ما لو احتاج في القديم إلى إجراء مجرى أو مسيل في أرض أو سطح الجار على ذكر الخلاف في ذلك (13) .
فقيل: لا يجبر؛ لأن الأصل حرمة مال الغير، ولا يحل بغير طيب نفس منه كما مر في مسألة وضع الخشب على جدار الجار.
وقيل: يجبر لانتفاء الضرر، ولما رُوي أن الضحاك ومحمد بن مسلمة اختلفا في خليج أراد الضحاك أن يجريه في أرض محمد بن مسلمة، فامتنع منه، فترافعا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال:"والله لأمُرَّنه ولو على بطنك" (14) .
والصواب - والله أعلم - أنه يجبر لانتفاء الضرر بذلك قياسًا على وضع الخشب ولقضاء عمر رضي الله عنه.
ضمان الجدار: أما ضمانه في حالة السقوط أو التضرر فهو على مالكه ما لم يحصل التعدي من الجار أو من غيره.