نصوص الكتاب والسنة، بل نجد أن جميع هذه التقديرات التي قال بها الفقهاء في أكثر مدة الحمل إنما تقوم على ادعاء الوقوع في هذه المدد التي تمسكوا بها، وعمدتهم في هذا الوقوع أخبار النساء ومعلوم أن النساء يخطئن كثيرا في هذه المسألة، لأن المرأة قد ينقطع عنها دم الحيض بسبب من الأسباب فتظن أنها حامل، وقد تستمر على هذا الظن سنين وهي في حقيقة الأمر غير حامل، ثم تحمل حقيقة وتضع حملها وهي تعتقد أنها كانت حاملا من مبدأ انقطاع الدم عنها، وهذا كثيرًا ما يحدث في المجتمعات البدائية، حيث لا علم ولا طب، فلا يمكن الاعتماد على مجرد أخبار النساء في تقرير مسألة شرعية، كذلك ذهب بعض العلماء إلى عدم الحد لأكثر أمد الحمل ونسب إلى الإمام مالك في رواية ثالثة له في هذه المسألة، لأن كل تحديد بزمن معين لا أصل له ولا دليل عليه، وتحديد زمن بلا مستند صحيح لا ينهض، ويمكن اعتبار هذا الرأي مذهبا ثامنا في هذا الموضوع [1] .
الأخذ بما أقر به الطب الحديث كقاعدة ثابتة تؤخذ عنها الأحكام، وهو تحديد المدة بتسعة أشهر لأن ما يخالف هذه المدة مأخوذ من أخبار بعض الأمهات أو من أقوال نسبت إلى بعض النساء فيما مضى من الأزمان، أما في هذا الزمن فقد أصبح ادعاء ذلك نادرا جدا، لأن الطب يقرر أن الحمل لا يمكن أن يمكث في بطن أمه أكثر من سنة. والآن الطب الحديث وأجهزة الكشف المتطورة من مختلف أنواع الأشعة أو الموجات الصوتية (السونار) ونحوها، تستطيع أن تحدد اللحظة الأولى لبدء الحمل ابتداء من علوق النطفة وحتى الوضع، وكذلك مختلف مراحل تطور الجنين في داخل البطن، والاستقراء مع المتابعة الدقيقة لحالات الولادة في جميع مستشفيات الولادة في العالم جعل الغالبية العظمى من الأطباء يجزم بأن الحمل لا يمكن أن يمكث في بطن أمه أكثر من تسعة أشهر، إذن فلا مبرر للعمل
(1) راجع أضواء البيان في تفسير القرآن لشيخ محمد الأمين الشنقيطي 2/ 227.