الصفحة 116 من 194

فإذا جئنا إلى التفسير الفقهى أخذنا وجهة فنية أخرى: خذ مثلا قوله تعالى:"الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به ..". إلخ. إن التساؤل هنا عن مكان الطلقة الثالثة؟ وعن مكان الخلع في الآية؟ وهل الخلع طلاق أم فسخ لعقد الزواج الأصلى؟ وهل يجوز الفداء بأكثرمن المهر؟ وهل الطلاق المقرون بالعدد يعتبر مرة واحدة- كما يرى ابن تيمية-؟ وهل العقد المجرد يبيح عودة المطلقة إلى زوجها الأول- كما يرى ابن المسيب وابن جبير- أم أن النكاح حقيقة في العقد والوطء معا؟ وهل تتولى المرأة عقدها، كما هو ظاهر اللفظ، أم لابد من ولى؟؟ وهكذا يتحول التفسير إلى درس في الفقه المقارن ويستخلص كل منا المعنى الذى يرجحه! ورحم الله من علمونا اللغة العربية والفقه الإسلامى، وهم يفسرون القرآن الكريم، لقد أفدنا منهم كثيرا، وكل ما أريد بيانه أن علوم اللغة والفقه وسائل لتقرير المعنى المراد، وسائل لابد منها، فما يحسن التفسير إلا من وعاها .. ولكن الوسائل لا تتحول إلى غايات، ومن الممكن بعد شرحها أن نفتح القلوب بالمعانى النائية للوحى الإلهى، وكيف يهدى الله الناس إلى الحق بما شرع من أحكام .. يستطيع المفسر الموفق أن يشرح سنن الله في الإيلاف والاختلاف، والحب والكره، وتقوى الله على الحالين وأن يشرح آثار النزق في هدم البيوت، ومعنى اعتداء حدود الله، وضرورة التماسك أمام إلحاح المشاعر الثاثرة. إن الوسائل البلاغية والأحكام الفقهية جزء من السياق المحكم للتربية القرآنية المنشودة، ولايجوز كما قلنا أن تتحول الوسائل إلى غايات.

ص _125

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت