الصفحة 134 من 194

والحق أن هذا كله لايقوم عليه دليل من كتاب أو سنة. فالإجماع الذى هو حجة- على ماقيل فيه- هو اتفاق جميع المجتهدين على حكم شرعى، ولم يقل أحد، إنه اتفاق الأكثرية أو الجمهور، فالأمر ليس أمر تصويت بالعدد. صحيح أن لرأى الجمهور وزنا يجعلنا نمعن النظر في خالفه ولانخرج عنه إلا لاعتبارات أقوى منه، ولكنه ليس معصوما على كل حال. وكم من صحابى انفرد عن سائر الصحابة برأى لم يوافق عليه سائرهم ولايضره ذلك. وكم من فقهاء التابعين من كان له رأى خالفه آراء الآخرين، ولم يسقط ذلك قوله، فالمدار على الحجة لاعلى الكثرة. كم من الأئمة الأربعة من انفرد عن الثلاثة بآراء وأقوال مضى عليها أتباع مذهبه مؤيدين ومصححين. ومذهب أحمد بن حنبل وهو المذهب المشهور باتباع الأثر، قد عرف بـ (مفرداته) التى نظمها من نظم، وألف فيها من ألف، وغدا من المعروف المألوف أن يقرأ الباحث فيه هذه العبارة"وهذا من مفردات المذهب". والمذاهب الأربعة- على مالها من اعتبار وتقدير لدى جمهور الأمة- ليست حجة في دين الله، إنما الحجة ماتستند إليه من أدلة شرعية منقولة أو معقولة. ومايقال عن بعض الآراء: إنها شاذة أو مهجورة أو ضعيفة، فهذا لايؤخذ على إطلاقه وعمومه، فكم من رأى مهجور أصبح مشهورا، وكم من قول ضعيف في عمر جاء من قواه ونصره، وكم من قول شاذ في وقت هيأ الله له من عرف به وصححه، وأقام عليه الأدلة حتى غدا هو عمدة الفتوى. وحسبنا هنا آراء شيخ الإسلام ابن تيمية التى لقى من أجلها مالقى في حياته، وظلت بعد وفاته قرونا، وظل من العلماء من يعتبرها خرقا للإجماع، حتى جاء عصرنا الذى وجد فيها سفينة الإنقاذ للأسرة المسلمة من الانهيار والدمار.

ص _143

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت