العام يتناول مسلكا فلا مجال لنسبتى إلى الابتداع، إذا لم تفعل فدعنى أفعل، ولا تثريب على ولا ألومك على سكوتك! وتذكرت أن رجلا من الصحابة اخترع صيغة من الأدب العالى في الثناء على الله، سمعها النبى صلى الله عليه وسلم فسر بها ونالت رضاه. أخرج الطبرانى بسنده أن النبى عليه الصلاة والسلام مر على أعرابى وهو يدعو في صلاته يقول:"يا من لا تراه العيون، ولا تخالطه الظنون، ولا يصفه الواصفون، ولا تغيره الحوادث، ولا يخشى الدوائر، يعلم مثاقيل الجبال، ومكاييل البحار، وعدد قطر الأمطار، وعدد ورق الأشجار، وعدد ما أظلم عليه الليل وأشرق عليه النهار، لا توارى سماء منه ولا أرض أرضا، ولا بحر ما في قعره، ولا جبل ما في وعره، اجعل خير عمرى آخره، وخير عملى خواتمه، وخير أيامى يوما ألقاك فيه"فوكل رسول الله بالأعرابى رجلا، وقال: إذا صلى فأتنى به، وكان قد أهدى بعض الذهب إلى رسول الله، فلما جاء الأعرابى وهب له الذهب، وقال له: تدرى لم وهبت لك؟ قال الأعرابى: للرحم التى بينى وبينك! قال الرسول الكريم: إن للرحم حقا، ولكنى وهبت لك الذهب لحسن ثنائك على الله!!". الواقع أن مديح الأعرابى لله قطعة من الأدب العالى يعجز عن مثلها المهرة في فن القول، وهى جديرة بتكريم الرسول لها! وهى ناضجة من قلب أشرقت عليه أضواء المعرفة الإلهية ومشاعر الذكر والشكر، أى أنها متسقة مع الأدلة العامة في ديننا.. ولو سمعها بعض الأجلاف لقال هذه بدعة، كما يصف بالابتداع بدء التلاوة باسم الله، وختمها بتصديق الله.. ونزيد الحكم وضوحا فنقول: إن حماية الدين من البدع المحدثة فرض لازم، حتى يبقى على أصله السماوى وصلاحيته المطلقة، فإن بلاء الدين كله جاء من أصحاب الفكر القاصر والقصد المائل والطبع الغالى!"
ص _103