وقد رأيت البانيا- وأكثر من تسعة أعشارها مسلمون- يفترسها الإلحاد ولايسمع لشكاتها أحد .. ورأيت المسلمين في الفلبين- وعددهم أكثر من بضع دول عربية- تستهلكهم الفتن ولا يهب لنجدتهم أحد ... وعندما سقطت راية الخلافة عن أدرنة لم يبكها إلا شوقى الشاعر: يا أخت أندلس عليك سلام! هوت الخلافة عنك والإسلام! مثل مابكى المتنبى أبا شجاع فاتكا، أو مثل مابكى ابن الرومى ابنه!! الفجيعة لاتزيد عن ذلك!! لقد أضحى أمر الأمة فرطا، وأضحى تناصرهم المكتوب حلما، ويكتب التاريخ الآن كتابة طائشة، لاتمثل الإسلام لامكانا ولازمانا ولاحقيقة .. وأذكر أنى اشتبكت في جدال حاد مع أحد السفراء الذى أنكر على وصفى لصلاح الدين الأيوبى بأنه كردى! إنه مسكين يريد تكذيب الواقع التاريخى! وضحكت وأنا أذكر وصفا آخر للسلطان"قطز"قاهر التتار، فقد افتتح مسجده في مصرعلى أنه من قادة القومية العربية!! على العرب الذين حملوا راية الإسلام أن يدركوا أن العروبة ليست دما. وإنما هى لسان، وأن الولاء ليس لأنسابهم، وإنما هو للدين الجامع، وأن التاريخ الإسلامى إذا بدأ بالجزيرة حيث هبط الوحى- فإن دائرته تمتد مع خطوط الطول والعرض إلى ما شاء الله، وأنه مع اندياح هذه الدائرة تذوب عصبيات كثيرة فلا يبقى التفاف إلا حول الوحى، ولاتبقى راية إلا راية التوحيد .. ومن ثم فنحن لا نقبل تاريخا للإسلام وأمته يتجاهل هذه الحقائق .. وإذا كان التاريخ الشائع الآن منقوصا من ناحية"الكم"فهو منقوص كذلك من ناحية"الكيف"! ولا يزال التلامذة في المدارس يقرؤون أن بغداد عاصمة الخلافة العباسية سقطت في أيدى التتار وحدهم، وأن هذا الجنس الفوضوى أغار على قاعدة الإسلام بدوافعه الخاصة.
ص _107